|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
فريد بوكاس
2026 / 1 / 12
ألمانيا : فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي
ليس خبر مغادرة عبد العزيز أخنوش المحتملة للمشهد السياسي خبرًا عاديًا، ولا يمكن قراءته كقرار شخصي نابع من “قناعة ديمقراطية” أو “تقييم ذاتي للتجربة”. ما يجري أبعد من ذلك بكثير. نحن أمام نهاية دور وظيفي لرجل لم يكن يومًا فاعلًا سياسيًا مستقلًا، بل واجهة تنفيذية صريحة داخل منظومة تُدار من فوق، وتُسند فيها الأدوار بدقة، ثم تُسحب حين تنتفي الحاجة.
لقد كان أخنوش التجسيد الأكثر فجاجة لتحقير السياسة في المغرب. رجل مال قُدّم للناس على أنه “منقذ اقتصادي”، فإذا به يقود واحدة من أكثر الحكومات فشلًا وانفصالًا عن الواقع الاجتماعي. لم يكن رئيس حكومة بالمعنى السياسي، بل مديرًا تقنيًا بلا حس اجتماعي، وبلا شرعية شعبية حقيقية، وبلا جرأة على اتخاذ أي قرار خارج التعليمات المرسومة سلفًا.
والحقيقة التي يتفاداها الخطاب الرسمي، ويعرفها الجميع، هي أن السلطة الفعلية في المغرب ليست بيد الحكومة. القرارات الكبرى، السياسات الاستراتيجية، الاختيارات الاقتصادية، وحتى التوازنات الاجتماعية، كلها بيد الملك ومحيطه. أما رئيس الحكومة، فليس سوى منفذ، وواجهة تُقدّم للناس على أنها “حكم ديمقراطي”، بينما تُسحب منها كل أدوات القرار الحقيقي.
في هذا الإطار، كان عبد العزيز أخنوش نموذج المنفذ المثالي: لا يعارض، لا يناقش، لا يقترح، ولا يشتبك سياسيًا. ينفذ التعليمات كما هي، ثم يخرج لتبريرها بخطاب بارد، تقني، مستفز أحيانًا، وكأن معاناة المغاربة مجرد خلل في “التواصل”. وهنا تتحول الحكومة إلى درع واقٍ، يمتص الغضب الشعبي نيابة عن مراكز القرار الحقيقية.
لكن هذا الدور لم يكن مجانيًا. فبينما كان المواطن المغربي يزداد فقرًا، كانت ثروة أخنوش تتضخم بشكل لافت. تضارب المصالح لم يكن استثناءً في تجربته، بل كان جوهرها. رئيس حكومة، ووزير سابق، ورجل أعمال يسيطر على قطاعات حيوية، يجمع بين السلطة السياسية والنفوذ الاقتصادي في شكل يكاد يكون كاريكاتوريًا. لم يعد السؤال: هل هناك تضارب مصالح؟ بل: هل بقي شيء لم يتضارب أصلًا؟
لقد قبل أخنوش بهذه المعادلة بوعي كامل: نفّذ التعليمات، التزم الصمت، تحمّل السخط الشعبي، وفي المقابل حظي بالحماية والامتيازات، وراكم الثروة والنفوذ. لكنه، كغيره من أدوات المنظومة، نسي أو تناسى أن الصلاحية السياسية في هذا النظام مؤقتة، وأن الولاء لا يضمن البقاء حين تتغير المرحلة.
اليوم، ومع دخول المغرب مرحلة انتقالية حساسة، يُعاد ترتيب الواجهة السياسية. الحديث عن مستقبل الحكم، وعن العهد القادم، يفرض التخلص من الوجوه التي أصبحت عبئًا رمزيًا. وأخنوش، بكل ما يحمله من دلالات على الفشل والغلاء والاحتقار الاجتماعي، لم يعد صالحًا لتسويق “بداية جديدة”. فلكل عهد واجهته، ولكل مرحلة أدواتها.
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في خروج أخنوش، بل في محاولة تقديم ذلك على أنه حلّ. فالمشكلة ليست في اسم الرجل، بل في النظام الذي أنتجه، وحماه، واستفاد منه، ثم قرر الاستغناء عنه بهدوء. إذا غادر أخنوش اليوم، فسيأتي غدًا أخنوش آخر، ما دام منطق الحكم نفسه قائمًا: سلطة بلا محاسبة، حكومة بلا قرار، وسياسة بلا معنى.
إن مغادرة أخنوش – إن تمت – ليست انتصارًا للشعب، ولا استجابة لغضب الشارع، بل إعادة تدوير للأزمة. تغيير في الواجهة، مع الإبقاء على نفس البنية التي تسمح بتحويل السياسة إلى أداة للثراء، والحكم إلى امتياز، والمواطن إلى مجرد متفرج.
في النهاية، عبد العزيز أخنوش ليس إلا عرضًا لمرض أعمق:
مرض احتقار الإرادة الشعبية،
وإفراغ الانتخابات من معناها،
وتحويل الدولة إلى شبكة مصالح مغلقة.
وما لم تتم مواجهة هذا المرض في جذوره، فإن سقوط الواجهات لن يغيّر شيئًا، لأن المشكلة لم تكن يومًا في المنفذين… بل في من يقرّر، دون مساءلة، باسم الجميع.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |