هل سيخذل الغرب مرة أخرى الشعوب الإيرانية؟

كرم نعمة
2026 / 1 / 12

منذ أكثر من عقد، تتحرك الشعوب الإيرانية – بكل تنوعها القومي والطبقي والديني – في مسار واحد: محاولة تفكيك نظامٍ ثيوقراطي مغلق، يختبئ خلف لغة دينية ويستند إلى أجهزة قمع لا تعرف سوى منطق “الأمن القومي” و“المؤامرة”. من احتجاجات 2009 إلى انتفاضة 2022 بعد مقتل مهسا أميني، وصولاً إلى موجة الغضب الحالية المرتبطة بانهيار العملة وغلاء الأسعار، يتكرر المشهد ذاته: شارعٌ يطالب بالكرامة، ونظامٌ يرد بالرصاص، وغربٌ يكتفي بالتصريحات.
هذه الاحتجاجات ليست “أزمات اقتصادية” عابرة، بل حلقات في مشروع طويل لإسقاط بنية حكمٍ ترى في المجتمع مادة للتأديب، وفي الدولة امتداداً لقداسةٍ مفترضة. ومع انتقال مركز الغضب من الطبقات الوسطى إلى المدن المهمشة والجامعات والنساء والشباب، بات واضحاً أن الشعوب الإيرانية لم تعد تحتج على سياسات، بل على نموذج حكم كامل. ولعل ما يلفت النظر أن التحليلات الغربية نفسها بدأت تعترف بهذا التحول. ففي تقرير تحليلي لـ أوميد بارين في DW، يكتب أن الاحتجاجات التي بدأت بإضراب التجار “تجاوزت حدود الاقتصاد، وهي تعبير عن سخط سياسي عميق يهدد شرعية النظام”. هذا الاعتراف من داخل الإعلام الغربي ينسجم مع ما يراه الشارع الإيراني منذ سنوات: أن الأزمة سياسية قبل أن تكون اقتصادية.
في هذا السياق، جاء تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن الولايات المتحدة “ستتدخل لإنقاذ المتظاهرين إذا أطلق النظام النار عليهم”. كلامٌ يبدو حازماً، لكنه ليس جديداً. فقد سمع الإيرانيون وعوداً مشابهة في 2009 و2017 و2019 و2022، ثم تُركوا وحدهم في مواجهة القمع. الغرب يرفع الصوت عندما يشتعل الشارع، لكنه يعود سريعاً إلى أولوياته: الملف النووي، أمن الطاقة، الصواريخ الباليستية، التوازنات الإقليمية. أما حقوق الإنسان، ومصير المعتقلين، والقتل في الشوارع، فتبقى في المرتبة الثانية، كورقة تفاوضية لا كالتزام أخلاقي. حتى الإعلام الغربي، الذي يُفترض أن يكون نافذة على ما يجري، يكرر النمط ذاته: تغطية مكثفة في لحظة الذروة، ثم انكفاء.
وكالة “أسوشيتد برس” نفسها لم تستطع إرسال مراسلين إلى الداخل، فكتبت تقاريرها من الإمارات اعتماداً على مصادر حكومية إيرانية. هكذا يُعاد تدوير رواية السلطة على أنها “تغطية دولية”.
وفي المقابل، يخرج علي لاريجاني ليحذر من أن أي دعم أميركي للاحتجاجات “سينشر الفوضى في المنطقة”، في محاولة لتبرير القمع باعتباره دفاعاً عن الاستقرار. ويعترف الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بأن “السلطات هي الملامة”، لكنه يختزل الأزمة في سوء الإدارة، متجنباً السؤال الجوهري: هل المشكلة في السياسات أم في طبيعة النظام نفسه؟
على الأرض، تتوسع الاحتجاجات، ويسقط قتلى، ويقول شاب جامعي للغارديان: “لا بد أن تكون ساذجاً إذا اعتقدت أن الإيرانيين يثقون بحكومة بزشكيان أو بنظام خامنئي.” هذه الجملة تلخص الهوة بين محاولات النظام إعادة إنتاج نفسه، وبين قناعة الشارع بأن اللعبة مغلقة بالكامل. وما يدعم هذا التحليل ما جاء في تقرير Gulf News الذي يرى أن الاحتجاجات الحالية “تعكس ضغوطاً أعمق على الجمهورية الإسلامية، تتجاوز الاقتصاد إلى أزمة شرعية سياسية متراكمة”.
أما تقرير Special Eurasia فيشير إلى أن “تحول الشعارات من مطالب معيشية إلى مطالب سياسية يكشف تراجع شرعية الدولة حتى بين الطبقات التجارية التقليدية”.
هذه ليست مجرد ملاحظات صحفية، بل خلاصات تحليلية تؤكد أن النظام يواجه أزمة وجودية، لا أزمة أسعار. ويمكن تلخيص خذلان الغرب للشعوب الإيرانية في مسارين: المسار السياسي – الأمني الغرب يتعامل مع إيران بوصفها “عقدة أمنية”: النووي، الصواريخ، النفوذ الإقليمي. أما الاحتجاجات، فتبقى “هامشاً” على طاولة التفاوض.
ويؤكد تقرير Critical Threats /ISW أن “قدرة الدولة على السيطرة تتراجع مع كل أزمة جديدة، لكن غياب ضغط دولي جاد يمنح النظام مساحة لإعادة تنظيم أدوات القمع”. المسار الإعلامي – الرمزي تغطية متقطعة، تركيز على “الفوضى”، وغياب للرواية الداخلية. حتى المقالات العميقة في نيويورك تايمز وواشنطن بوست وفورين بوليسي وفايننشيال تايمز – التي تنتقد تردد الغرب – تبقى جزءاً من نقاش نخبوي لا يتحول إلى سياسة. وليس سؤالاً للغرب وحده.
خذلان الشعوب الإيرانية ليس فعلاً غربياً فقط، بل إقليمياً أيضاً. فالمنطقة العربية التي هي متضررة من سياسة الهيمنة الإيرانية على الإقليم، كثيراً ما اختزلت إيران في نظامها، ونسيت أن هناك شعوباً تعيش تحت هذا النظام، وتدفع ثمن سياساته في الداخل كما يدفع جيرانها ثمن مغامراته في الخارج.
انتفاضة “امرأة، حياة، حرية” أعادت تعريف العلاقة بين المجتمع والدين والدولة، وأظهرت أن التغيير في إيران ليس وهماً، بل مشروعاً يتشكل من النساء والشباب والأقليات والمهمشين. ومع ذلك، بقيت العواصم الإقليمية والغربية تتعامل مع إيران من بوابة “الخطر” لا من بوابة “الإنسان”. فمتى يتحول الكلام إلى التزام؟ الشعوب الإيرانية لا تطلب من الغرب إسقاط النظام عنها.
ما تطلبه – في الحد الأدنى – هو ألا يكون الغرب شريكاً في استمرار القمع: لا تطبيعاً مع أجهزة الأمن، ولا صفقات تُعيد تأهيل النظام، ولا بيانات “قلق” تُستخدم كغطاء للصمت.
سيخذل الغرب الإيرانيين مرة أخرى إذا اكتفى بالتصفيق من بعيد. وسيخذلهم إذا حوّل احتجاجاتهم إلى ورقة تفاوض في بازار النووي. وسيخذلهم إذا واصل القول: “نراقب الوضع عن كثب”.
أما السؤال الحقيقي فهو: هل ثمن الحرية في إيران أعلى من ثمن الصفقة مع طهران؟ في الشارع، الإيرانيون حسموا جوابهم منذ زمن. أما في الغرب، فما زال الجواب مؤجلاً.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي