لومومبا في المدرجات: حين تصبح كرة القدم بيانًا ثوريًا 1/6

مهند طلال الاخرس
2026 / 1 / 12

في كتابه «تاريخ شعبي لكرة القدم» -«لميكائيل كوريا» وترجمة محمد عبد الفتاح السباعي- يتناول الكاتب كرة القدم من جانب مغاير للصورة النمطية التي اعتدنا عليها، وبما يسمح بكشف اسرار وخبايا هذه اللعبة وبطريقة اعمق مما كنا نتصور او نتخيل، هذه المدخل المغاير جعلنا ننظر الى كرة القدم من غير تلك الزاوية المعتادة والمرئية بالعادة!؟

وهنا بالذات تكمن اهمية الكتاب وفرادته، والتي اكسبته جوهرا مغايرا واكسبتنا مدخلا مميزا لمعرفة هذه العوالم المجهولة لكرة القدم، بخلاف تلك الصورة السطحية التي اعتدناها ونحن نشاهد احد عشر لاعبا يتنافسون مع اقرانهم، ويتراكضون خلف كرة من المطاط ليسجلوا هدفا في مرمى الفريق المنافس، ويصنعوا الفرح الصاخب لعشاقهم في المدرجات وخلف الشاشات وحتى انصارهم في الشوارع والمدن والدول وفي شتى اركان المعمورة..

وضمن هذا المفهوم يعتبر كتاب "تاريخ شعبي لكرة القدم" ، احد اهم الكتب التي تتبع تاريخ اللعبة من منظور طبقي واجتماعي، كاشفًا كيف كانت وسيلة للمقاومة والتحرر في أيدي العمال والنساء والشباب ضد الاستعمار والأنظمة السياسية، وكيف تطورت لتصبح صناعة ضخمة، مع التركيز على قصص مشجعين وشخصيات منسية بعيداً عن أضواء النجوم الكبرى، فهذا الكتاب غني ومزدحم بالقصص والحكايا التي تخفيها كرة القدم، وهو ليس كغيره من الكتب الرياضية؛ فهو يعيد اكتشاف كرة القدم كما لا نعرفها من قبل ويتناولها من جوانب لم نعهدها ايضا؛ لكن يبقى الاهم انه وبحسب تعبير الناقد محمد عبدالباسط عيد "يُقدِّم لنا وعيًا تاريخيًّا مفصلًا لكرة القدم وانتقالها من التبسيط إلى التركيب، ومن المتعة إلى الاحتراف المؤسسي، فهو يتناولها من حيث كونها ظاهرة ثقافية واقتصادية وسياسية، يتابع الدلالات ويحفر في الأنساق المضمرة التي جعلت منها نصًّا ثقافيًّا معولمًا، يحتفي به الناس في أرجاء المعمورة، على اختلاف ثقافاتهم ولغاتهم ومعتقداتهم وأجناسهم".

ويضيف : "لم تعد كرة القدم مجرد لعبة للتسلية او لتمضية أوقات الفراغ، وإنما باتت عنوانًا أساسيًّا في حياتنا، لأنها غيرت في المفاهيم والعلوم التي يتم تدريسها في كليات السياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع، فالتعريف التقليدي للبلد والقائم على الشعب والدولة والحكومة والإقليم يتضمن الآن عنصرًا إضافيًّا لا غنى عنه لاكتماله: الفريق الوطني لكرة القدم، والبلد لا يصبح بلدًا بالمعنى الكامل للكلمة إلا إذا كان له منتخب يدافع عن حدوده ويلعب باسمه".

وهذا المنتخب بما له من سطوة وحضور بين افراد شعبه تبرز قيمته المضاعفة خارج اسوار الملاعب، وهذا الحضوره الطاغي لا يتم الا عبر حاضنته الجماهيرية التي يتملكها الشغف ويميزها الحضور الصاخب، والتي لولاها لما كان لكرة القدم هذا الحضور وهذا العشق وهذه المكانة لدى معظم سكان المعمورة.

بالتأكيد لم يكن يدور في خلد احد من رواد هذه الرياضة بأنها ستصل إلى هذه الآفاق وهذا الحضور اللافت الذي غزا كل بيت وشارع حتى لو كان في قرية نائية في اقصى اطراف المعمورة..

"مع الايام ومع تطور واقع كرة القدم باتت الملاعب ساحات للنضال الاجتماعي والسياسي، وصار بمقدور الدارسين الحديث عن تطور علم «سيسيولوجيا المدرجات» وما يتصل به من تحيزات اجتماعية، طبقية وعرقية، وولاءات وجدانية وقومية، ونزعات استعمارية معلنة ومضمرة، ومقاومة رمزية لتلك الأفكار من جانب آخر".

ويمكن للدارس التقاط عدة جوانب يمكن تسليط الضوء عليها وتحليلها وضبط السياق الذي تدور فيه وتخدمه. من هنا اصبحت الرياضة علاوة على كونها هواية جمالية يتملكها الشغف فانها لا تخلو من جوانب اخرى بعضها خفي وبعضها الاخر مرئي؛ مثل ان تغدو كرة القدم وسيلة للشعوذة وانتشار ثقافة الالهاء وهذا ما تحدثت به الماسونية وبروتوكولات حكماء صهيون، وان تجاوزنا هذا الاتهام بما له من دلالة وامكانية تواجد ملموسة، فلا يمكننا استبعاد كرة القدم والرياضة عموما كاحد ادوات السياسة الناعمة والفاعلة بآن، حالها كحال الفن والادب والموسيقى والاقتصاد والتعليم والمعرفة وما الى ذلك من ادوات الحضور الدولي الفاعل في مضمار السياسة الدولية...

وفي كرة القدم بوصفها المذكور يمكن استحضار امثلة كثيرة للاستدلال على ماذكر، لكن قد يكون تتبع سعي كثير من الدول لتجنيس لاعبين ذي مستوى عالمي للدفاع عن الوان قمصان وشعار منتخب لا ينتمون اليه الا بوصفه يدفع اكثر ويؤمن لهم سبل العيش الرغيد بعيدا عن جماهيرهم وحياتهم وامتدادهم الطبيعي، وهذه الظاهرة بالذات بحاجة لكثير من الدراسة لفهم ابعادها الكلية والتمحيص باهدافها الحقيقية، فهؤلاء المجنسين لا يختلفون عن المرتزقة في الحروب الطاحنة، لكنهم حتما احد ادوات السياسة الناعمة الجديدة التي تنتهجها دول الملح والرماد والحضور المدفوع الاجر مسبقا، وتلك سياسة تمتهنها دول بعينها على افتراض منها ان العالم مسرح كبير وان عليها ان تعتلي خشبة المسرح ولو خلف اسماء وادوات مستعارة، المهم انها تمارس نزقها ومراهقتها السياسية ومحاولة الحضور مع الفاعلين والمؤثرين على مستوى المعمورة، وهم طبعا واهمين لان مهمتهم التي تبدأ بمجرد التقاط الصورة تنتهي مع انطفاء اخر ضوء للكاميرا حتى لو البسوا ميسي العباءة العربية... فاللقطاء وزناة التاريخ لا يمكن لهم ان يكتبوا سطرا فيه، حتى ولو حاولوا، هم واولادهم او من ولد من ارحام نسائهم من بعدهم...

وبين الحديث عن اشباه الرجال ودورهم في استثمار الرياضة وكرة القدم بالذات كاحد ادوات السياسة الفاعلة وذات الحضور النجمي، يجب ان نفرق هنا بين هؤلاء وبين من اخذت كرة القدم والرياضة عموما مساحة اهتمام طبيعية لديها نتيجة نمو مجتمعي وتفاعل حضاري اوصلها الى ان تعتبر الرياضة لديها ثقافة ومنجز حضاري كامل التفاصيل والاركان، دون ان ينقطع او ينفصل عن تقدم المجتمع ورقيه ورفعته في شتى المجلات بشكل متوازي، وبخلاف ذلك تصبح كرة القدم سلعة هدامة تستخدم للتنفيس واستغلال طاقات الشعوب وتوظيفها في غير محلها ، وهذه كانت دوما و حصرا مهمة العملاء على مدى التاريخ .

وحين تصرف دويلات مراهقة مئات المليارات من الدولارات على مناسبات كروية ورياضية واهية بغية المواظبة على الحضور على خشبة المسرح العالمي باي ثمن؛ يظهر عمق الانتماء الوطني وفرق المعايير بين دول الملح والرماد وبين دول الدم والتاريخ والانسان الحقيقي الفاعل ودائم الحضور في دورة التاريخ...

يتبع...

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي