|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
فريد بوكاس
2026 / 1 / 12
ألمانيا : فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي
لم تعد الحروب التي تلتهم العالم اليوم نتاج أخطاء أو سوء تقدير، بل خيارًا سياسيًا مقصودًا تُديره قوى كبرى ببرودٍ كامل. ما يجري ليس صدامًا من أجل القيم، ولا دفاعًا عن السيادة، بل إعادة تقسيم للعالم بالقوة، حيث تُرسَم الخرائط فوق أنقاض الدول، وتُختبَر الأسلحة على أجساد الشعوب. في هذا المشهد، لا مكان للحياد، ولا قيمة للقانون الدولي، ولا وزن للأخلاق؛ هناك فقط منتصر يفرض روايته، وخاسر يُطلب منه أن يصمت، وأن يعتاد الدمار كجزء من النظام العالمي الجديد.
أكذوبة القيم وسقوط النظام الدولي
الولايات المتحدة تتحدث عن الديمقراطية، بينما تُدير الحروب بالوكالة وتُغرق مناطق كاملة في الفوضى.
روسيا ترفع شعار الأمن القومي، لكنها لا تتردد في سحق الجغرافيا حين تهتز حدود نفوذها.
الصين تتحدث عن التنمية والشراكة، بينما تبني إمبراطوريتها بهدوء عبر الاقتصاد والتكنولوجيا والديون.
لا أحد في هذا الصراع بريئًا، ولا أحد يقاتل من أجل الشعوب. الجميع يقاتل من أجل النفوذ، أما القيم فليست سوى غطاء دعائي يُمزَّق عند أول تعارض مع المصالح.
أوروبا: حليف أم رهينة؟
في قلب هذا الصراع، يقف الاتحاد الأوروبي في موقع ملتبس: قوي اقتصاديًا، ضعيف سياسيًا، تابع أمنيًا.
الحرب في أوكرانيا كشفت الحقيقة العارية؛ أوروبا دفعت ثمن العقوبات أكثر مما دفعتها روسيا، وخسرت استقلالها الطاقي، وربطت أمنها بالكامل بالمظلة الأمريكية.
لم تعد أوروبا لاعبًا مستقلًا، بل ساحة استنزاف تُستخدم لإضعاف الخصوم وإعادة ضبط التوازنات. والسؤال المؤجل:
هل تدرك العواصم الأوروبية أنها ليست في موقع القيادة، بل في موقع الاستخدام؟
العالم العربي: ساحة بلا قرار
أما العالم العربي، فقصته أكثر قسوة. المنطقة ليست طرفًا في الصراع العالمي، لكنها من أكثر ساحاته اشتعالًا.
ثروات، ممرات استراتيجية، وموقع جغرافي حاسم… ومع ذلك، غياب شبه كامل عن صناعة القرار.
السبب واضح ومؤلم:
جزء معتبر من الأنظمة العربية ربط بقاءه برضا الخارج، وقدّم الولاء السياسي مقابل الحماية، وغضّ الطرف عن تفكيك دول وشعوب ما دام ذلك لا يهدد عرشه.
وهكذا، تحوّلت بعض الدول إلى أدوات صامتة في مشاريع لا تخدم إلا غيرها، بينما تُختزل السيادة في الشعارات.
من يدفع الفاتورة؟
كالعادة، لا تدفع القوى الكبرى ثمن صراعاتها، بل تدفعه الشعوب:
• دول تُدمَّر
• مجتمعات تُفكَّك
• وأجيال تُدفَع إلى الهجرة أو الفقر أو التطرف
أما القانون الدولي وحقوق الإنسان، فلا يُستدعيان إلا حين يخدمان الأقوى، ثم يُدفنان تحت ركام المصالح.
ما بعد الصراع: سيناريوهات العالم القادم
إذا استمر هذا المسار، فإن العالم متجه نحو واحد — أو أكثر — من السيناريوهات التالية:
1 . عالم النفوذ المقسَّم
تقسيم غير معلن للعالم إلى مناطق نفوذ، مع حروب موضعية دائمة، واستنزاف طويل الأمد للدول الضعيفة.
2 . فوضى دولية مفتوحة
تفكك المؤسسات الدولية، سباق تسلح، وصراعات إقليمية أوسع، حيث يصبح العنف لغة السياسة الأولى.
3 . هيمنة بلا جيوش
سيطرة اقتصادية وتكنولوجية تُفرغ مفهوم السيادة من معناه، وتحوّل الدول النامية إلى تابع رقمي ومالي.
4 . صحوة متأخرة (الأضعف احتمالًا)
إدراك الدول الهامشية لموقعها الحقيقي، وبناء تحالفات مستقلة، وكسر منطق التبعية… وهو سيناريو يحتاج إرادة سياسية شجاعة ووعيًا شعبيًا غائبًا حتى الآن.
لا حياد في زمن الذئاب
العالم لا يُدار اليوم بمنطق الشراكة، بل بمنطق الافتراس. ومن يظن أن الصمت يحميه، سيكتشف متأخرًا أنه كان مجرد دور مؤجل. إما أن تعي الدول الضعيفة موقعها في هذه المعادلة، أو تقبل أن تُكتب في التاريخ كضحايا جانبيين لصراع الكبار.
في هذا الزمن، الحياد وهم، والصمت تواطؤ، والوعي — وحده — بداية أي مقاومة.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |