|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
فريد بوكاس
2026 / 1 / 11
ألمانيا: فريد بوكاس، صحفي باحث و ناشط سياسي
لم يعد مقبولًا، لا سياسيًا ولا أخلاقيًا، الاستمرار في توصيف الحديث عن الوضع الصحي لملك المغرب محمد السادس على أنه “شائعات”. هذا الوصف لم يعد بريئًا، بل تحوّل إلى أداة رسمية لإنكار واقع واضح، وإلى وسيلة لإسكات أي نقاش عمومي حول مسألة تمسّ صلب الحكم واستقرار الدولة.
فحين يغيب ملك البلاد لفترات طويلة عن ممارسة مهامه الدستورية، وحين تُلغى أنشطة رسمية دون تفسير، وحين يظهر في مناسبات نادرة بوضوح جسدي متدهور، فإن الحديث عن المرض لا يكون شائعة، بل استنتاجًا سياسيًا مشروعًا. الشائعة هي ما يُتداول رغم وجود الحقيقة، أما في المغرب فالحقيقة غائبة لأن القصر اختار الكتمان المتعمّد.
الدولة التي تُخفي الوضع الصحي لرأسها، لا تحمي الاستقرار كما تدّعي، بل تُحوّل البلد إلى كيان هشّ، يُدار في الظل، وتُتخذ فيه قرارات مصيرية خارج أي مساءلة أو تفويض شعبي.
الكتمان ليس صدفة… بل استراتيجية حكم
منذ اعتلاء محمد السادس العرش، اعتمد النظام المغربي سياسة تقوم على تقديس الشخص وإخفاء الواقع. ومع مرور السنوات، تحوّل هذا المنطق إلى عقيدة حكم:
لا معلومات، لا تقارير، لا مؤتمرات صحفية، لا محاسبة، فقط بلاغات مقتضبة حين يفرض الظرف ذلك، وصمت طويل حين يكون الصمت أكثر فائدة.
لكن المرض، حين يصيب رأس نظام يتمركز فيه القرار السياسي والاقتصادي والعسكري في شخص واحد، لا يعود شأنًا خاصًا، بل قضية سيادية بامتياز. وكل تأخير في كشف الحقيقة هو قرار سياسي واعٍ، هدفه كسب الوقت وترتيب الخلافة بعيدًا عن أعين الشعب.
لماذا الآن؟ ولماذا هذا الترويج المكثف لـ«الحسن الثالث»؟
ليس من الصدفة أن يتزامن تصاعد الحديث عن تدهور صحة الملك مع حملة ممنهجة لتلميع صورة ولي العهد. صفحات منظمة، محتوى احترافي، خطاب عاطفي مدروس، ورسائل تكرّر الأسطوانة نفسها: أمير شاب، بسيط، قريب من الناس، مختلف عن محيطه.
هذا ليس حبًا عفويًا ولا تعبيرًا شعبيًا تلقائيًا، بل صناعة صورة سياسية، الهدف منها تهيئة الرأي العام لمرحلة ما بعد محمد السادس، دون نقاش، دون شروط، ودون أي ضمانات ديمقراطية.
لقد جُرّب هذا السيناريو سابقًا، ونجح.
محمد السادس نفسه صُوّر كأمل المغاربة، كقاطع مع الاستبداد، كرمز لمرحلة جديدة. زار الريف، تحدث عن الفقر، أنشأ هيئة الإنصاف والمصالحة. لكن ما الذي حدث بعد تثبيت الحكم؟
من “الملك الشاب” إلى احتكار الدولة
بمجرد أن استقر محمد السادس في الحكم، انكشف الوجه الحقيقي للنظام:
• تركّز غير مسبوق للسلطة في القصر.
• إفراغ الحكومة والبرلمان من أي قرار فعلي.
• تضخم خيالي للثروة الملكية.
• ابتلاع ممنهج للاقتصاد الوطني عبر الهولدينغات الملكية.
الشركات العمومية، الأراضي الفلاحية، المناجم، الموانئ، السدود، قطاعات استراتيجية بأكملها انتقلت بشكل مباشر أو غير مباشر إلى دائرة القصر. لم يكن ذلك نتيجة عبقرية اقتصادية، بل نتيجة موقع سياسي فوق القانون.
وهنا يصبح الحديث عن الخلافة خطيرًا، لأن المشكلة لم تعد في الشخص، بل في نظام يعيد إنتاج نفسه عبر الوراثة، مع الحفاظ على نفس منطق النهب والكتمان.
المرض كعامل مسكوت عنه في أزمة الحكم
السؤال الجوهري ليس: هل الملك مريض؟
بل: لماذا يُمنع المغاربة من معرفة الحقيقة؟
الجواب بسيط ومخيف في آن واحد:
لأن الاعتراف بالمرض يعني الاعتراف بأن الدولة تُدار فعليًا من طرف محيط غير منتخب، وغير مسؤول أمام الشعب، ولأن الإعلان عن الواقع الصحي سيفتح الباب أمام نقاش دستوري حول الصلاحيات والخلافة، وهو نقاش لا يريده النظام.
لذلك، يُفضّل القصر:
• الصمت بدل الشفافية
• الصورة بدل الحقيقة
• الترويج العاطفي بدل النقاش السياسي
انتقال الحكم: استقرار أم إعادة تدوير للأزمة؟
حتى لو تم تمرير الخلافة بسلاسة، فإن ذلك لا يعني استقرارًا حقيقيًا، بل تأجيلًا للأزمة. فالمغرب اليوم يعاني من:
• انسداد سياسي كامل
• فوارق اجتماعية خانقة
• اقتصاد ريعي محكوم بالولاء
• شباب بلا أفق ولا ثقة
في هذا السياق، لا يمكن لصورة “أمير شاب” أن تحلّ أزمة بنيوية عمرها عقود. ولا يمكن لتغيير الوجوه أن يخفي حقيقة أن المشكلة في طبيعة الحكم نفسه.
الحقيقة المؤجلة أخطر من الحقيقة المُعلنة
إن أخطر ما يواجه المغرب اليوم ليس مرض الملك، بل مرض النظام: نظام يخاف من شعبه، يكتم الحقيقة، ويُعدّ الخلافة في الظل كما تُدار الصفقات.
قد ينجح القصر مرة أخرى في فرض الأمر الواقع، لكن التاريخ يُظهر أن الدول لا تنهار بسبب المرض، بل بسبب الكذب المزمن واحتقار وعي شعوبها.
وسيظل السؤال معلقًا، مهما طال الصمت:
هل المغرب دولة لمواطنيها، أم ملكية تُدار كضيعة خاصة، حيث يُورّث الحكم والثروة، ويُطلب من الشعب فقط التصفيق وانتظار الصورة القادمة؟
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |