هل سيستولي ترامب على جزيرة غرينلاند كما توعّد؟

عزالدين بوغانمي
2026 / 1 / 10

وهل سيكون الضمّ بالقوّة الغاشمة، أم بإفراغ السيادة الدنماركية وإعادة هندستها وظيفيًّا.

لو جمّعنا المعطيات الأساسية المتوفّرة دراسات أكاديمية أو حتى مقالات منشورة في الصحافة الأمريكية والغربية، مثل: تفاقم ديون الولايات المتحدة الأمريكية، تصاعد مستوى صراعها على النفوذ مع المارد الصيني الهادئ المُخيف، سياسة ترامب التي تعكس بلوغ الإمبريالية الأمريكية أخطر مراحل التوحش (من ذلك جريمة اختطاف رئيس فينيزويلا، الانسحاب من المنظمات الدولية، تهميش الاتحاد الأوروبي، والتفوق العسكري والتكنولوجي المطلق).

زد على ذلك إقرار الاتحاد الأوروبي، منذ يومين، بفقدانه السيادة الرقمية والسيطرة على بياناته الأساسية، وتبعيته الكاملة لشركات التكنولوجيا الأمريكية، ما يضع أوروبا في موقع العاجز عن مواجهة ترامب في أيّ مجال ( هذا ما أكّده خبير الأمن السيبراني البلجيكي ميغيل دي برويكر).

إضافة إلى تشكيك نائب رئيس موظفي البيت الأبيض، ستيفن ميلر، في حق الدنمارك في المطالبة بغرينلاند. إذ قال على شبكة الساي، آن، آن أول أمس الخميس 8 جانفي 2026: "السؤال الحقيقي هو: ما هو حق الدنمارك في فرض سيطرتها على غرينلاند؟ ما هو أساس مطالبتها الإقليمية؟ ما هو مبررها لاعتبار غرينلاند مستعمرة دنماركية؟". وأضاف ميلر أنه "من البديهي" أن تكون غرينلاند جزءًا من الأراضي الأمريكية، لأن الولايات المتحدة هي قوة حلف شمال الأطلسي، ويجب عليها ضمان الأمن في القطب الشمالي وحماية الحلف ومصالحه والدفاع عنه"

إضافة إلى البيان المشترك الذي أصدرته فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا وبولونيا وإسبانيا، والذي قيل أن هذه الدول ستُعرِبُ عن دعمها للدنمارك بقوّة في مواجهة مزاعم دونالد ترامب بشأن غرينلاند. ولكن عند قراءة البيان والتمعّن فيه نجده لطيفًا ومُحايدً إذ يؤكّد بالنص: "أن الأمر متروك للدنمارك وغرينلاند وحدهما للبتِّ في المسائل المتعلقة بهما"، مشدّدًا على أن الدنمارك "جزء" من حلف (الناتو)، ويُضيف جملة مُثيرة "كما هو الحال بالنسبة للولايات المتحدة، المرتبطة بدورها باتفاقية كوبنهاغن الدفاعية".

بالنظر إلى كل هذه المعطيات في سياقها الزمني، يمكن الاستنتاج بكلّ ثقة أن غرينلاند ستصبح "وظيفيًّا" ضمن دائرة النفوذ الأمريكي. فخطاب الدول الأوروبية المُزايد "لفظيًّا" في بعض الأحيان، لا يعكس محدودية قدرتها على فرض موقف فعلي أمام الغطرسة الأمريكية، سيما وأن هذا الطموح الأمريكي أصبح واضحًا من تصريحات مسؤولين في البيت الأبيض، شككوا في حق الدنمارك في غرينلاند أصلًا، واعتبروا الجزيرة جزءًا من المصالح الاستراتيجية الأمريكية في القطب الشمالي، وبالرغم من إشارة بعضهم إلى إمكانية استخدام القوة لحماية تلك المصالح، إلّا أن الخيار العسكري يكاد يكون مستحيلا لعدّة اعتبارات تطول الإحاطة بها وشرحها.

ما هو الحقيقي في الطموح الأمريكي؟

الولايات المتحدة، بطبيعتها، تمتلك وجودًا عسكريًا دائمًا في غرينلاند (قاعدة بيتوفيك/ثول). وهي تعتبر القطب الشمالي جبهة صراع مستقبلية مع الصين وروسيا. وترى غرينلاند كعنصر حاسم في الإنذار المبكر الصاروخي. والسيطرة على طرق الملاحة القطبية. ووضع اليد على المعادن النادرة والطاقة. وكل هذا ليس جديدًا، الجديد هو انتقاله من سياسة هادئة إلى خطاب فجّ وصدامي مع ترامب.

فهل يمكن "ضم" غرينلاند؟

هنا يجب الفصل بين ثلاثة مستويات:
أولا، الضمّ بالمعنى العسكريّ شبه مستحيل، لأن غرينلاند جزء من مملكة الدنمارك، والدنمارك عضو في النّاتو. وأي عمل عسكري سيخلق شرخًا تاريخيًا بين واشنطن وأوروبا. وهذا أمر مُستبعد واقعيِّا ومُكلف على جميع المستويات، وبكل الأحوال غير وارد على الأقل في المدى المنظور والقضية لا تتطلّب الالتجاء للقوة العسكرية.

قانونيًا، غرينلاند إقليم يتمتع بحكم ذاتي، له حق تقرير المصير وفق القانون الدولي. وأي ضم سيتم عبر استفتاء شعبي في غرينلاند ضمن اتفاق ثلاثي (غرينلاند، الدنمارك، الولايات المتحدة)، وربّما بغطاء أروبي رمزي.

واقعيًا (وهو الأهم)، الولايات المتحدة لديها قواعد عسكرية ونفوذ أمني وتأثير اقتصادي هائل في غرينلاند، وشراكات مباشرة مع حكومتها والضم النّأعم هو الأكثر واقعية والأقل تكاليف.

ماذا عن ضعف أوروبا؟

أوروبا، كما رأينا أعلاه، فاقدة للسيادة الرقمية، منقسمة سياسيًا، عاجزة عسكريًا دون المظلة الأمريكية. ولعل بيانات"الدعم الناعمة" للدنمارك تعكس عجزًا عن التضامن الفعلي. وقد تأكد هذا من خلال بيانها الأخير، حيث نصّ على (أن الملف يُدار داخل إطار "الناتو")، أي حيث أمريكيًا هي الجسم الرئيسي وهي الغطاء وصاحبة الكلمة الأخيرة، ولم يذكر البيان أن الملف يُدار داخل الاتحاد الأوروبي.

إذن ما هو سيناريو ترامب المثالي في ملف غرينلاند؟

سيستخدم التصعيد الخطابي كأداة لابتزاز الدنمارك
وإخضاع أوروبا، وفرض شروط أمنية واقتصادية جديدة. وسيظل يشكك في سيادة مملكة الدنمارك على الجزيرة لخلق أرضية تفاوضية، وليس لشنّ حرب. وهو أسلوب التّاجر ومدير الصّفقات، الذي يبدأ برفع السقف، تشويه البضاعة والبائع، والحطّ من قدراته وتهديده، حتى يُوصله إلى حافة الهاوية، ثم يأخذ ما يريد دون إطلاق رصاصة.
ولذلك فالسيناريو الأرجح هو توسيع الوجود العسكري الأمريكي، إبرام اتفاقيات أمنية مباشرة مع غرينلاند (تجاوزا لكوبنهاغن تدريجيًا)، مع تعزيز الاختراق الاقتصادي في قطاعات المعادن النادرة والطاقة والبنية التحتية. وربط الجزيرة بالمنظومة الاستخباراتية والتكنولوجية الأمريكية، بحيث تصبح قراراتها الاستراتيجية مرهونة عمليًا بواشنطن. وبهذا المعنى، لا تعود مسألة "الضم" سؤالًا قانونيًا أو عسكريًا، وإنما تغدو واقعًا سياسيًا-اقتصاديا وظيفيًا. ولا يهم أن تظل غرينلاند دنماركية شكليًّا، وتصبح أمريكية وظيفيًا.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن