|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
عباس موسى الكعبي
2026 / 1 / 8
كان جورج أورويل وألدوس هكسلي يحذراننا من المستقبل ذاته، لكن من منظورين متناقضين. فأحدهما يخشى عالماً يحكمه الألم والقسوة، بينما كان الآخر يخشى عالماً تحكمه المتعة واللذة. وللأسف، كلاهما على حق. فقد تشكّلت رؤية أورويل للسيطرة من خلال المعاناة والمواجهة. فقد عاش بين الفقراء، وحارب في الحرب الأهلية الإسبانية، وشهد الاستبداد عن كثب، وعرف كم كان قاسيًا. ورأى الحقيقة تتحول إلى سلاح، يُعاد كتابتها تبعا لأهواء أصحاب السلطة. وحسب أورويل، ان الطغيان قد أعلن عن نفسه بصوت عالٍ ومسموع: كان يرتدي الأحذية العسكرية، ويحمل البنادق، ويطالب بالطاعة من خلال المراقبة والعقاب والتهديد المستمر بالألم. ففي رواية "1984"، لا يُشترط أن يحب المرء السلطة، بل يكفي أن يخشاها. واما التحكم والسيطرة، فيعملان عن طريق تقييد الحقيقة، وسحق المعارضة، وتحطيم الفرد حتى تصبح مقاومته مستحيلة.
أما خوف هكسلي فقد نبع من مصدر مختلف تمامًا. فقد وُلد هكسلي في كنف عائلة متعلمة، محاطًا بالمفكرين، فكان أقل اهتمامًا بالعنف، وأكثر انزعاجًا من الاستسلام الصامت. راقب عالمًا يزداد هوسًا بالاسترخاء والترفيه. فلم يتخيل هكسلي مستقبلًا يُجبر فيه الناس على الخضوع القسري، بل تخيل مستقبلًا يكون فيه الخضوع طوعيا. ففي رواية "عالم جديد شجاع"، كانت السيطرة خفية، لا وجود لرجال الامن، ولا سجون ظاهرة. بدلًا من ذلك، هناك متعة ولذة، وتشتيت للذهن، وتحفيز لا ينتهي. والناس صامتون وهادئون، لا لأنهم مضطهدون، بل لأنهم راضون ومقتنعون بمصيرهم. لذا، لا تحتاج السلطة إلى إسكات المعارضة عندما لا يرغب أحد في الكلام. وهنا يتباين تحذيراهما بشكلٍ حاد.
اعتقد أورويل أن الاستبداد يتغذى على الألم والخوف والجوع والعقاب. واعتقد هكسلي أن المتعة والاسترخاء هما السلاح الأخطر بيد الاستبداد. وأن الراحة قادرة على محو الرغبة في المقاومة. وحذر أورويل من عالم تُحظر فيه الكتب وتُمنع فيه القراءة. وحذر هكسلي من عالم لا يهتم فيه أحد بقراءة أي كتاب.
شكّلت حياتهما الشخصية هذه المخاوف. فأورويل، ذلك الشخص المريض والفقير لم يثق قط بسلطة تُطالب الناس بالطاعة. أما هكسلي، ذلك الشخص المنعزل الذي يتمتع بالملاحظة الدقيقة، فقد ارتاب في مجتمع يُضحّي بالحقائق التي تحيط به من أجل نيل الراحة والاسترخاء.
رأى أحدهما ان الحرية تُسلب من الاخرين، في حين رأى الآخر ان الاخرين لا يرغبون بالحرية أصلا.
ما يجعل أعمالهما مُقلقة اليوم ليس القبول برؤية أحدهما وترك الاخرى، بل إدراك مدى تعايش الرؤيتين بسلاسة. فنحن نعيش في عالمٍ باتت فيه المراقبة أمرًا طبيعيًا، والتشتت الذهني مازال متواصلًا، حيث تتلاعب السلطات بالحقيقة وتحرفها، وتوظف اللذة والاسترخاء للقضاء على الأصوات المعارضة. إذ لا يُمثل الخوف واللذة نقيضين، بل أداتين مُتكاملتين للسيطرة. فأورويل يحذرنا مما يحدث عندما تستخدم السلطة القسوة لغرض الهيمنة. ويحذرنا هكسلي مما يحدث عندما تسلب السلطة وعينا حيال ما يجري حولنا.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |