ريان شرقي يربك فلسفة غوارديولا

كرم نعمة
2026 / 1 / 7

لم يبدأ التاريخ الشخصي للاعب فريق مانشستر سيتي ريان شرقي من تلك اللمحة الاستعراضية التي خطفت أنفاس المدرجات: “الرابونا” التي وضع فيها قدمه خلف الأخرى، ورفع بها كرة معلّقة على رأس زميله فيل فودين، ليحوّلها الأخير إلى هدف في مرمى كريستال بالاس.
لم يكن فودن ممتنًا للتمريرة فحسب، بل مذهولًا من جرأتها. فهذه ليست حركة تُدرَّس في الأكاديميات، ولا تظهر في ملاعب الدوري الإنجليزي إلا كاستثناء نادر، كشرارة تأتي من خارج المنطق.
لكن ماذا يعني ذلك لفلسفة بيب غوارديولا؟ ذلك المدرب الذي بنى كرة القدم الحديثة على فكرة واحدة: أن النظام ينتصر على الفوضى، وأن التمريرة القصيرة أهم من اللمسة الساحرة.
ها هو يجد نفسه أمام لاعب لا يخضع تمامًا لتلك الفلسفة، بل يضيف إليها ما لا تستطيع الفلسفة أن تنتجه: الدهشة.
قدرة شرقي نادرة على صنع المفاجأة. يستطيع اللاعب الفرنسي الدولي قلب مجريات المباراة في لمح البصر لديه رؤيةٌ ثاقبةٌ لا يراها غيره. ويتميز بمزيجٍ نادرٍ من الرؤية الثاقبة والمهارة الفنية الاستثنائية.
غوارديولا نفسه لم يُخفِ ارتباكه الجميل أمام موهبة شرقي. قال عنه: “ريان لاعب استثنائي… يترك بصمة في كل مرة يلمس فيها الكرة”. ثم أضاف ما يشبه الاعتراف: “لم أرَ ميسي يفعل هذه الحركة. وهو أفضل لاعب في العالم”. هذه الجملة وحدها تكفي لتفسير ما يحدث: غوارديولا، الذي تعلّم من ميسي أن البساطة هي ذروة العبقرية، يرى أمامه لاعبًا يذهب إلى منطقة لم يذهب إليها ميسي نفسه. ومع ذلك، يصرّ المدرب الإسباني على أن ما يعجبه في شرقي ليس الاستعراض، بل إتقانه للأشياء البسيطة.
فالموهبة، كما يقول، يمكن أن تفعل ما تشاء… لكن حين تفشل الحركة، تتحول العبقرية إلى عبء.
ريان شرقي ليس مجرد لاعب مهاري. إنه لاعب يكتب الجملة الكروية بطريقة لا تشبه أحدًا. يمتلك قدرة نادرة على تغيير إيقاع الهجمة بلمسة واحدة، وعلى خلق زاوية تمرير لا يراها إلا من يعيش الكرة كحدس لا كحساب. شرقي لا يراوغ ليُظهر نفسه، بل ليغيّر شكل الملعب.
يميل إلى استلام الكرة بين الخطوط، في المساحة الرمادية التي لا يجرؤ كثيرون على الوقوف فيها، ثم يلتف بجسده كما لو أنه يفتح بابًا جديدًا للهجمة.
هذه القدرة على “تدوير الجسد” قبل تدوير الكرة هي ما يجعل المدافعين يتأخرون عنه دائمًا بخطوة.
كما يمتلك شرقي ما يمكن تسميته بـ اللمسة الثالثة: اللمسة التي لا تأتي بعد الأولى والثانية، بل تأتي من خارج الترتيب، من خارج التوقع. هي اللمسة التي تصنع الفارق، وتحوّل الهجمة من جملة محفوظة إلى جملة مبتكرة.
غوارديولا المدرب الأكثر صرامة بنى منظومته على فكرة “الاستحواذ الهادف” تمريرات قصيرة، صبر تكتيكي، ضغط عالٍ، هندسة دقيقة للمساحات. كل شيء محسوب، كل خطوة لها وظيفة، كل لاعب يعرف أين يجب أن يقف ومتى يتحرك.
لكن هذه الفلسفة، رغم صلابتها، تحتاج دائمًا إلى لاعب يكسر القاعدة دون أن يهدمها. لاعب يضيف “اللا متوقع” إلى “المتوقع”. لاعب يذكّر المنظومة بأن كرة القدم ليست معادلة رياضية، بل فنّ يحتاج إلى لحظة جنون كي يكتمل. وهنا يأتي شرقي. فهو لا يناقض فلسفة غوارديولا، بل يكمّلها. يمنحها ما لا تستطيع أن تنتجه وحدها: الخيال. غوارديولا يعرف ذلك جيدًا. يعرف أن المنظومة، مهما بلغت من دقة، تحتاج إلى لاعب يملك الجرأة على ارتكاب “الخطأ الجميل” الذي يفتح باب الهدف.
ريان شرقي اللاعب المولود في ليون عام 2003، لأب فرنسي من أصول إيطالية وأم جزائرية، يحمل في عروقه خليطًا من المتوسط، من الجنوب، من تلك الروح التي لا تخضع للصرامة الأوروبية ولا تستسلم تمامًا للانضباط. حتى اسمه “شرقي” يبدو كأنه يعلن عن نفسه: لاعب يأتي من جهة الشمس، من جهة الخيال.
هذا المزيج الثقافي يظهر في أدائه: لمسة فرنسية، جرأة متوسطية، خيال مغاربي، وانضباط أوروبي مكتسب. إنه لاعب يعيش بين النظام والحرية، بين الفلسفة والحدس. ولهذا، فإن وجوده في منظومة غوارديولا ليس صدفة. بل ضرورة.
الهدف الذي سجله شرقي أمام برينتفورد—الذي وصفه غوارديولا بأنه “هدف يدرك روعته حتى الأعمى”—ليس مجرد تسديدة. إنه إعلان مبكر عن لاعب لا يريد أن يكون تابعًا للفلسفة، بل شريكًا في تطويرها.
ريان شرقي يربك غوارديولا… نعم. لكنه في الوقت نفسه يمنحه ما يحتاجه كل مدرب كبير: لاعب يذكّره بأن كرة القدم، مهما حاولنا تنظيمها، ستظل لعبة تُصنع في لحظة، وتُحسم بلمسة، وتُكتب بجرأة. وهذا بالضبط ما يجعل شرقي لاعبًا لا يمكن تجاهله: إنه يضيف إلى منظومة غوارديولا ما لا تستطيع المنظومة أن تنتجه وحدها. يضيف الخيال.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي