|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

كرم نعمة
2026 / 1 / 7
لم يكن اختيار هيبت الحلبوسي لرئاسة البرلمان حدثاً سياسياً بالمعنى المتعارف عليه، بل كان استعادة فاقعة لأشد درجات الأمية السياسية التي حكمت العراق منذ عام 2003. فالرجل لم يأتِ بوصفه مشروع دولة، ولا بوصفه صاحب رؤية أو خبرة، بل بوصفه بنداً صغيراً في صفقة تبادل مصالح بين القوى الطائفية التي تتقاسم مؤسسات البلاد كما لو أنها غنائم حرب. وهكذا، يجد العراقيون أنفسهم أمام مشهد يتكرر بوجوه مختلفة، لكنه يحمل العطب البنيوي ذاته: دولة تُدار بمنطق الحصص، لا بمنطق المؤسسات.
هيبت الحلبوسي، القريب من رئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي، لم يُقدَّم للعراقيين بوصفه شخصية عامة تمتلك مشروعاً، بل بوصفه “معادلاً طائفياً” يكمل لوحة التوازنات التي تصنعها الأحزاب الحاكمة. هذا الصعود لا يعكس إرادة ناخبين، بل إرادة منظومة. منظومة لا تسمح بظهور رجل دولة، بل تسمح بظهور موظف طائفي يؤدي الدور المطلوب منه ثم يغادر.
ولعلّ المثال الأوضح على طبيعة هذا التفكير هو اقتراح الحلبوسي، حين كان رئيساً للجنة النفط والغاز، أن تبيع الحكومة كبونات نفط للمواطنين لسحب الكتلة النقدية من المنازل. هذا الاقتراح لا يعكس رؤية اقتصادية، بل يكشف أمية سياسية وثقافية تتعامل مع الدولة كدكان، ومع المواطن كزبون، في بلد يرفض فيه الناس إيداع مدخراتهم في البنوك لانعدام الثقة بمفهوم الدولة نفسه. فالدولة التي لا يثق بها مواطنوها لا يمكن أن تُدار بكبونات، بل تحتاج إلى إعادة بناء ثقة، وهذا آخر ما تفكر به الطبقة الحاكمة.
الحلبوسي الجديد ليس أسوأ ما في المشهد، لكنه واحد من سلسلة وجوه تُستدعى لإكمال مشهد التمثيل الطائفي الذي سحق مفهوم “العراقية”. فحتى أبناء الأنبار الذين يُفترض أنه يمثلهم لا يترقبون منه أملاً، لأنه ببساطة أضعف بكثير من أن يفتح ملفاتهم الأكثر إيلاماً. ملف المغيّبين قسراً، على سبيل المثال، ليس ملفاً سياسياً فقط، بل جرحاً مفتوحاً وصفه تقرير للصليب الأحمر الدولي بأنه “جرح لا يندمل”. ومع ذلك، تستمر العائلات في رفع صور أبنائها وسط صمت رسمي وتغييب متعمّد، لأن فتح هذا الملف يعني مواجهة القوى التي تتحكم به، وهي قوى لا يجرؤ رئيس برلمان على الاقتراب منها.
الأمر ذاته ينطبق على ملف جرف الصخر، حيث يعيش الآلاف من الأهالي في مخيمات تفتقر لأبسط الشروط الإنسانية، بينما أراضيهم مستولى عليها من قبل ميليشيات نافذة. هل يستطيع رئيس البرلمان الجديد الاقتراب من هذا الملف؟ العراقيون يعرفون الجواب قبل أن يُطرح السؤال. ففتح هذه الملفات يتطلب سلطة دولة، لا سلطة منصب، والدولة في العراق اليوم ليست في يد البرلمان.
السؤال الذي يهرب منه الجميع هو: لماذا لا يتغيّر شيء في العراق رغم تغيّر الوجوه؟ الجواب بسيط ومؤلم: لأن الوجوه تتغيّر داخل بنية ثابتة، بنية صُمّمت لتعيد إنتاج الفشل نفسه. فلا رئيس برلمان يستطيع أن يفتح ملفاً حقيقياً، ولا حكومة تستطيع أن تواجه الميليشيات، ولا قضاء يستطيع أن يفرض سلطته. كل شيء يتحرك داخل دائرة مغلقة، وكل تغيير هو إعادة تدوير للقديم بوجوه جديدة.
البرلمان نفسه لم يعد سلطة تشريعية، بل أصبح غرفة تسجيل لقرارات تُصنع خارج جدرانه. ولهذا، فإن تغيير رئيس البرلمان لا يغيّر وظيفة البرلمان، ولا يغيّر طبيعة القوى التي تتحكم به. هيبت الحلبوسي، مثل غيره، يدخل مؤسسة مشلولة، لا تملك القدرة على التشريع ولا الرقابة، بل تملك فقط القدرة على منح الشرعية لقرارات الآخرين.
بهذه القراءة، يصبح اختيار هيبت الحلبوسي ليس حلاً لأي معضلة في عراق الغد، بل تتمّة طبيعية لمشهد سياسي رثّ يتكرر بوجوه مختلفة ويقود إلى النتائج ذاتها. فالعراق لا يحتاج إلى معادلات طائفية جديدة، بل إلى دولة. ودولة كهذه لا تُبنى بصفقات، ولا تُدار بكبونات، ولا تُختزل في توازنات طائفية، بل تُبنى بإرادة سياسية غائبة منذ عقدين.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل سينجح رئيس البرلمان الجديد؟ بل: هل يمكن أن ينجح أي رئيس في نظام صُمّم ليمنع النجاح؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن يُطرح، وهذا هو السؤال الذي يهرب منه الجميع.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |