المقهى الثقافي -لاكوميدي- - La comedie بفاس- المغرب - هي ذاكرة مدينة

عزيز باكوش
2026 / 1 / 7

المقهى الثقافي -لاكوميدي- - La comedie بفاس هي ذاكرة مدينة بالتأكيد. لكن، هل زرتموها من الداخل؟ هل اكتشفتم هندسة المكان روعته وجماليته؟ هل تتصورون مهابة السلم الدائري المفضي إلى طابقها الثاني؟ من منا لم يأسره جمال الصور وأناقة الإطارات المثبتة على الجدران في تصور كلاسيكي يحيلنا على عصر النهضة الفرنسي؟ صور البدايات لنجوم مغاربة وأجانب رحلوا، وأخرى تكابر وتكابد كي تظل حاضرة مثل علامة ترشد العابرين لتاريخ الفن في مراحله وأعطابه المتجددة. للمكان تاريخ عبق بالنوستالجيا والجمال العابر لكل الشساعات.
شخصيا أقصد المقهى بين الفينة والأخرى. هي أفضل مكان للقاء مع مثقف أوفنان دون موعد. أتماهى في طيف خيالي وأتساءل كم من المشاهد المسرحية انبثقت من هنا؟ وأمضي في رحلة أستحضر خلالها آلاف سيناريوهات الأفلام والمسلسلات التي رأت النور في مقهى "لا كوميدي" بجوار بل في مواجهة مبنى مركب الحرية المنكوب في منتخبيه وسلطته. لوحات مسرحية ولدت ترعرعت وشبت لم تكن تنتهي النقاشات الثقافية حولها إلا لتبدأ. سجالات وصخب من المشاعر يروضها مثقفو العاصمة العلمية وضيوفها القادمين من كل التخوم للارتواء من هذا النبع الثقافي اللاينضب. أجل في قلب مدينة فاس تنهض مقهى " لاكوميدي" ذاكرة مدينة منارة أضاءت ليالي المثقفين وأرشدت سفن المهووسين بالمسرح. فضاء ثقافي أسسه الفنان عز العرب الكغاط عام 1983، كان ولا يزال شاهدا على ولادة أجمل العروض المسرحية، احتضن وما يزال أسماء وتجارب من كبار الأدباء والفنانين المغاربة والعرب لعقود. اليوم، رغم كل التحديات الاقتصادية يبدو الحفاظ على "لاكوميدي" كذاكرة ومكان حفاظ على جزء أصيل من هوية فاس الثقافية وذاكرتها الفنية. ومع مرور الوقت بدا أن الفنان عز العرب الكغاط ناضل طويلا ليظل هذا الفضاء - مشروعا ثقافيا بالأساس بعيد عن المنطق التجاري. ولكن ... والمؤمل ألا تترك فاس العالمة ذاكرتها الفنية والجمالية تهرب منها لتخبو ببطء دائم الانحدار.
عندما أمر عابرا أمامها. أشفق على ضياع أربعة عقود من العطاء الفني والجمالي أراها مهددة بالغياب. "لاكوميدي" هي حلم الفنان عز العرب الكغاط الذي راهن منذ البداية على جعل المقهى خشبة مسرح دائمة. وجبة منسمة بعبق النوستالجيا في التحام روحي بين صور المسرحيات العالمية، وصور النجوم والمثقفين الساكنين المقيمين والعابرين بين جدران مقهى "لاكوميدي" بفاس.
في هذا المكان يلتقي رجالات مسرح فاس بكل فئاتهم وأعمارهم وأحلامهم وأوهامهم.. الرعيل الأول المخضرمون والصامدون الواعدون . في هذا المكان جرت كاستينغات الأفلام العابرة للمشاعر. في هذا المكان تمحضير عشرات الأطاريح الجامعية.. جرى الاحتفاء بمآت الإصدارت والكتب مختلف ضروب المعرفة بحضور مؤلفيها. في هذا المكان لو نطق خلدت الثقافة أمسيات من الشعر والأدب والفن وجرت مياه لقاءات أدبية وتم تجريب عروض مسرحية في منصة للجيب أعدت لهذا الغرض صغير.. تذكرني بالمقهى الثقافي إيريس.. لصاحبها الإعلامي والصحفي محمد بوهلال. ومن إشاراته اللافتة أن فاس في حاجة ماسة إلى فضاء مسرحي يليق بها كمدينة علم وتاريخ وفن. جوائز ودروع وشواهد تقدير لا حصر لها ولا حد خارج المغرب مقارنة بداخله.

لسنا هنا بصدد حصر الأعمال التي شارك فيها الفنان المغربي عز العرب الكغاط مدير المقهى الثقافي، فمسألة الحصر والتصنيف تتطلب وقتا غير يسير. وزمنا يمتد هادئا بصفاء ذهن للإنصات والتصنيف الموضوعاتي. وذلك بتنوع وغزارة الإنتاج والظهور إن على الصعيد الوطني أو خارجه. فما بين السينما والتلفزيون والمسرح تتجسد تجربة عز العرب الكغاط الفنية وتتمفصل تقاطعاتها على مسافات غير قابلة للتجسير.
ولعل المشهد الأكثر إضاءة انسجاما مع تجربة الرجل، كان من إبداع د عزيز الحدادي رئيس جمعية أصدقاء الفلسفة” خلال فعاليات النسخة السابعة لمهرجان أغورا للسينما والفلسفة بفاس أكتوبر 2022. حين اختارت الجمعية كجهة منظمة تكريمه إلى جانب عمالقة في السينما في علاقتها بالفلسفة. له شعار " التفكير في السينما وعيش الفلسفة". حيث تم تكريم الفنان الممثل السينمائي والتلفزيوني المغربي عز العرب الكغاط، إلى جانب كل من الفيلسوف وعالم الاجتماع المعاصر الفرنسي “إدغار موران” والباحث الجامعي والسيناريست الإيطالي “ماريو برينطا".
وبحلول العام 2026. يكون الفنان عز العرب قد استوفى 77 سنة أطال الله في عمره. فهو من مواليد العاصمة العلمية. وله ريبيرتوار مديد من المشاركات في المجال الفني. إذ شارك في العديد من الأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية، وله حضور قوي في المشهد العام للمسرح بوصفه أبي الفنون. ورغم أن تجريه الفنان عز العرب متعددة الملامح، فإن الفانتازيا والتا ريخ هي ما يميز لونها إن على مستوى الأداء الفني، أو على صعيد البصمة الشخصية للكثير من أعماله التي غطت قرابة 50 سنة من الإبداع والعطاء.
إن حضور الفنان عز العرب الكغاط هذه القامة الفنية الوازنة في المهرجانات السينمائية على الصعيد الوطني حصريا يمنحها على الدوام لقبا ساميا يليق بتجربة طويلة وملهمة. ليس كممثل بل كمساهم ومثري للنقاش. تدخلات عميقة وازنة . مواقف تتأسس على النقد الموضوعي البناء. آراء كاشفة عن واقع لا ينسج مع ثوابته. كلها عناصر معرفية لدى الرجل تنم عن استيعاب كامل للشروط . ونضج عال في تمثل معطياتها وتصريف مكوناتها. كما أن اختياره ضمن معظم لجان التحكيم سواء كرئيس لجنة أو عضو أو ضيف شرف دليل قاطع على مكانة الرجل في المشهد الفني وطنيا وعربيا ودوليا.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن