|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
عباس موسى الكعبي
2026 / 1 / 7
ارتكب الشاعر عزرا باوند خيانة عظمى ضد بلده، الولايات المتحدة. وتم زجه في مصحة عقلية. غير ان المؤسسة الأدبية الأمريكية منحته أحد أرفع أوسمتها. كانت الرسالة الضمنية واضحة: انه لا يجوز معاقبة عبقري لمجرد امتلاكه آراءً مختلفة. واليكم القصة:
مع اقتراب نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت أوروبا قد غرقت في الخراب. مدنٌ سُوّيت بالأرض.. ملايين القتلى. وكشرت الفاشية عن انيابها، لا بصفتها نظرية، بل كنظام صناعي لسلخ البشر. وفي خضم هذه الاحداث، لم يصمت الشاعر عزرا باوند. لم يكن الشاعر شخصية هامشية تصرخ في الفراغ، بل كان أحد أكثر شعراء القرن العشرين تأثيرًا، ومهندسًا رئيسيًا للحداثة، والرجل الذي حرّر أعمال ت. س. إليوت وروّج لها، والمعلم الذي شكّل جيلًا من الكُتّاب. كان أمريكي المولد، لكنه عاش طويلًا في منفى اختياري في أوروبا، مقتنعًا بأن الشعر يسمو فوق الدول والقوانين والقيود الأخلاقية المعتادة.
انطلق باوند من إيطاليا نحو الإذاعة الحكومية متحدثًا باسم نظام موسوليني. ولم يكتفِ بانتقاد السياسة الأمريكية، بل أشاد بالفاشية علنًا، ومجّد هتلر، وردّد نظريات المؤامرة المعادية للسامية حول سيطرة المصرفيين اليهود على العالم، وسخر من الديمقراطية واصفًا إياها بالضعف، ووصف فرانكلين روزفلت بالمحتال، وصوّر الجيش الأمريكي كمنظمة إجرامية، وتجاهل تقارير المجازر الجماعية، وأنكر الهولوكوست.
ألقى باوند أكثر من مئة خطاب إذاعي. وانتشر صوته عبر أثير العدو كدعاية للفاشية خلال الحرب. ويعتبر ذلك، من الناحية القانونية، خيانة عظمى، عقوبتها الإعدام.
وحينما ألقت القوات الأمريكية القبض عليه عام ١٩٤٥، لم تعامله كشاعرٍ، بل كعميلٍ للعدو. ولأسابيع، احتُجز باوند في معسكر اعتقال عسكري قرب بيزا، محبوسًا في قفص فولاذي لا يزيد عرضه عن متر ونصف. لم يكن هناك سرير، ولا مرحاض، ولا حماية من تقلبات الطقس. كان ينام على أرضية إسمنتية تحت أضواء كاشفة. لقد ألحقت به العزلة والإذلال ما لم يفعله الرصاص. وبعد عدة أسابيع، انهار نفسيًا.
في تلك اللحظة، اتخذت الحكومة قرارًا سيُحدد مصيره. فبدلًا من المضي قدمًا في محاكمة علنية بتهمة الخيانة، والتي كانت ستكشف التسجيل الكامل لبثه، أعلنت أنه غير مؤهل عقليًا للمثول أمام المحكمة. لذا، تم تعليق التهمة، ولم يتم حسمها، ولم يصدر حُكم عليه. وجرى نُقل عزرا باوند إلى مستشفى سانت إليزابيث في واشنطن العاصمة، وهو مستشفى للأمراض النفسية تابع للحكومة الفيدرالية، حيث مكث لمدة اثنتي عشرة سنة.
ثم جاءت اللحظة التي أذهلت حتى من كانوا يدافعون عنه. ففي عام ١٩٤٩، وبينما كان لا يزال رهن الاحتجاز لكونه رجلاً غير مستقر نفسياً لدرجة تمنعه من المثول أمام العدالة، مُنح عزرا باوند جائزة بولينجن للشعر، إحدى أرفع الجوائز الأدبية في الولايات المتحدة. كانت الجائزة ممولة من مؤسسة بولينجن وتُدار من قِبل مكتبة الكونغرس نفسها. لم يكن هذا مجرد لفتة هامشية، بل كان اعترافاً مؤسسياً بعبقريته.
لم يكن المانحون من المتطرفين، بل كانوا أساتذة ونقاداً وكتاباً بارزين ومثقفين مرموقين ممن تفهموا تماماً ما فعله الشاعر.
أثار ذلك غضب الناس المتحمسين. لكن كان تبرير المانحين هادئاًً: "يجب فصل الفن عن السياسة". وزعموا أنهم يُكرمون اللغة، لا الولاء. والحرفية، لا الشخصية. والقصيدة، لا الإنسان. وأن العبقرية كائنة ضمن الفراغ الأخلاقي، ولا تخضع لتقييم أحد.
وعندما أُطلق سراح باوند عام ١٩٥٨، بعد اثنتي عشرة سنة من السجن دون محاكمة أو اصدار حكم، عاد إلى إيطاليا. فسأله الصحفيون إن كان نادم على شيء، وإن كان مخطئًا، أو كان يرغب في التراجع عن كلامه.
لم يجب إلا بجملة واحدة: "أمريكا كلها مصحة عقلية."
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |