مغرب الملاعب لا مغرب الحقوق: تشريد الأسر وتجاهل المعتقلين السياسيين

فريد بوكاس
2026 / 1 / 6

ألمانيا: فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي



في مشهد يعكس اختلال الأولويات وانقلاب القيم، يعيش المغرب اليوم على إيقاع فرجة كروية صاخبة، تُقدَّم باعتبارها عنوان “النجاح” و“التقدم”، بينما تُدفن في الظل مآسٍ اجتماعية وسياسية ثقيلة، لا تجد طريقها إلى الشاشات ولا إلى عناوين الصحف. بلدٌ يُطلب من مواطنيه أن يفرحوا، أن يصفقوا، وأن يتغنّوا بالملاعب والبطولات، في وقت تُهدم فيه البيوت، تُشرَّد فيه الأسر، ويُترك معتقلو الرأي لمصيرهم في صمت مريب.

المغاربة اليوم يُدفعون دفعًا إلى ملاعب كرة القدم، حيث تنتشر فيديوهات التمجيد والتهليل بالبنية التحتية الرياضية “العالمية”، وكأن العشب الأخضر قادر على إخفاء تشققات الواقع. يُقال لهم إن هذه الإنجازات هي دليل على مغرب قوي وصاعد، لكن الحقيقة الصادمة أن هذه المشاريع، مهما بلغت كلفتها، لا تعود بالنفع لا من قريب ولا من بعيد على المواطن البسيط، الذي يزداد فقرًا وهشاشة، ويُدفع خارج مدنه وأحيائه باسم “التأهيل” و“التنمية”.

كرة القدم كأداة إلهاء سياسي

لم تعد كرة القدم مجرد رياضة أو متنفس شعبي، بل تحولت إلى أداة سياسية بامتياز، تُستعمل لتوجيه الوعي الجماعي وصرف الأنظار عن القضايا الحارقة. إنها سياسة الإلهاء المقصودة، أو ما يمكن تسميته دون مواربة: سياسة الخظيرة. حيث يُمنح المواطن ما يكفي من الفرجة والانتصارات الرمزية، مقابل التخلي عن حقه في السؤال والمساءلة.
بينما الجماهير منشغلة بكأس إفريقيا للأمم، وبعدد الأهداف والميداليات، تتحرك الجرافات في صمت. جرافات تهدم البيوت وتشرد ساكنيها بعيدًا عن عدسات الكاميرا. لا تغطية إعلامية، لا نقاش عمومي، فقط صراخ مكتوم لأسر تُلقى في الشارع وكأنها فائض بشري لا مكان له في “المغرب الحديث”.

الجرافات لا تتحرك من فراغ

هذه الجرافات لا تتحرك تلقائيًا، ولا بدافع “المصلحة العامة” كما يُروَّج. إنها تتحرك بتعليمات واضحة، وبمنطق الربح العقاري، في بلد يعرف الجميع فيه أن قطاع العقار ليس قطاعًا عاديًا، بل مجالًا استراتيجيًا تهيمن عليه شبكات مصالح قوية. والجميع يعلم، دون حاجة إلى تذكير، أن الهولدينغ الملكي يُعد المستثمر الأول والأقوى في هذا المجال.
حين يُهدم حيّ شعبي، لا يكون الهدف تحسين حياة ساكنيه، بل إفراغ الأرض، رفع قيمتها، وإدخالها في دورة الربح. المواطن هنا ليس غاية، بل عقبة مؤقتة. يُزال بأقل كلفة سياسية ممكنة، مستفيدين من انشغال الرأي العام بالفرجة الكروية.

صمت الإعلام… وتواطؤ الصورة

الإعلام، الذي يُفترض أن يكون عين المجتمع ولسانه، اختار موقعه بوضوح. كاميرات في الملاعب، تقارير عن “إبهار العالم”، واحتفالات لا تنتهي. في المقابل، صمت مطبق عن الهدم، عن التشريد، عن الاحتجاجات الصغيرة التي تُقمع قبل أن تكبر. وكأن معاناة هؤلاء لا تليق بالصورة التي يُراد تسويقها داخليًا وخارجيًا.
لكن المأساة لا تقف عند حدود السكن فقط، بل تمتد إلى ملف أشد حساسية وخطورة: ملف المعتقلين السياسيين.

معتقلو الرأي: الملف الذي يُراد نسيانه

بينما يُطلب من المغاربة أن يعيشوا نشوة الكرة، يقبع في السجون معتقلون سياسيون، لا لشيء سوى لأنهم قالوا “لا”. ناصر الزفزافي ورفاقه، الذين خرجوا من قلب احتجاج اجتماعي سلمي مطالبين بالكرامة والعدالة، ما زالوا خلف القضبان. المحامي محمد زيان، أحد وجوه الدولة نفسها سابقًا، انتهى به المطاف معتقلًا لأنه تجاوز الخطوط الحمراء غير المكتوبة. المدونة سعيدة العلمي تُترك اليوم في وضع إنساني حرج، مضربة عن الطعام، دون أي تفاعل رسمي يرقى إلى خطورة ما تمر به.
هؤلاء ليسوا أعداء الوطن، بل ضحايا نظام لا يتسامح مع الأصوات الحرة. تجاهلهم ليس نسيانًا، بل سياسة متعمدة: طمس القضايا الحقوقية تحت ضجيج الملاعب، وإقناع الناس بأن الفرح واجب، وأن الكلام ترف خطير.

القمع والإلهاء: وجهان لعملة واحدة

ما يجري في المغرب اليوم ليس سلسلة أحداث معزولة، بل منظومة متكاملة:
قمع في الداخل، إلهاء في الخارج.
سجون تُغلق على الأصوات المزعجة، وملاعب تُفتح على مصراعيها للجماهير.
جرافات تهدم البيوت، وأناشيد وطنية تُرفع لتغطية الضجيج.
إنها معادلة واضحة: كلما زادت الفرجة، قلّ السؤال. كلما علا الهتاف، خفت صوت الاحتجاج. لكن هذه المعادلة، مهما بدت ناجحة على المدى القصير، تحمل في طياتها فشلًا أخلاقيًا عميقًا.

وطن للكاميرات أم وطن للمواطنين؟

السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم هو: أي مغرب نريد؟ مغرب الواجهات والملاعب، أم مغرب الإنسان والكرامة؟ لا قيمة لأي كأس، ولا لأي بنية تحتية، إذا كان ثمنها تشريد الأسر، وسجن الأحرار، وخنق الأصوات.
كرة القدم ستمر، وكأس إفريقيا ستنتهي، وستنطفئ الأضواء. لكن البيوت المهدومة لن تعود، والسنوات المسروقة من أعمار المعتقلين لن تُعوَّض. أما الظلم، حين يُمرَّر بالصمت والفرجة، فإنه لا يختفي، بل يتراكم.
وفي النهاية، سيبقى السؤال الثقيل معلقًا في وجه الجميع:
ماذا فعلتم بالإنسان، وأنتم مشغولون بالتصفيق؟

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي