أمريكا تفعل… والحكام العرب يتحدثون

فريد بوكاس
2026 / 1 / 5

ألمانيا: فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي


الفارق واضح بين اتخاذ القرار ومواجهة النتائج، وبين إدارة المأساة بالكلام والخطاب الرمزي، حيث تُستثمر القضايا الإنسانية لتغذية السردية السياسية الداخلية.

على مسرح السياسة العربية، تتكرر المشاهد نفسها منذ عقود: غزة تُستحضر كقضية في الخطب، تُعلَّق على لافتات الشعارات، وتُستثمر كوسيلة لإعادة توجيه غضب الشعوب، بينما تبقى الأرض فارغة من القرار الفعلي. الخطاب مهيب، البيانات كثيرة، لكن كل شيء محصور بكلمة واحدة: «لو».
ـ لو فُتحت الحدود.
ـ لو سُمح لنا بالدخول.
ـ لو كانت الظروف مواتية.

وهكذا تتحول المأساة الإنسانية إلى مسرحية، والسياسة إلى لغة منقوصة، والشعب العربي إلى جمهور لا يملك أكثر من التصفّق والانتظار. المواطن لا يطالب بالتغيير فقط، بل يطالب بصدق الخطاب، وهو مطلب يُغضب السلطة أكثر مما يغضب العدو.
في المقابل، عالم آخر يتحرك بلا مواربة. حين قررت الولايات المتحدة ملاحقة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، لم تنتظر إذنًا، ولم تختبئ وراء خطاب مشروط. القرار كان مباشرًا، واضحًا، رغم كل التحديات السياسية والقانونية. الفعل كان هو اللغة، والنتيجة هي المعيار. هذه هي الفارق بين من يفعل ومن يكتفي بالحديث.

غزة، في الخطاب العربي الرسمي، ليست أكثر من أداة رمزية. تُرفع عند الحاجة، وتُجمّد عند الإحراج. تُرفع كراية حين يشتد الغضب الداخلي، وتُخفَض حين يحين وقت الصفقات والتفاهمات. ليست أولوية سياسية، بل وظيفة خطابية.
والأدهى أن هذا الاستخدام لا يخاطب غزة، بل يخاطب الداخل. فكلما ضاق الخناق اقتصاديًا، وكلما تآكلت القدرة على العيش، وكلما اقترب السؤال من مركز السلطة، يُفتح ملف “القضية” على عجل، لا بوصفه التزامًا، بل كستار دخان.
ـ يُطلب من المواطن أن يصبر باسم فلسطين،
ـ أن يصمت باسم غزة،
ـ أن يؤجل حقوقه باسم “المرحلة الحساسة”.

وفي المقابل، لا تؤجل السلطة امتيازاتها، ولا تخضع حياتها لأي حصار. فبينما يُطالَب الناس بالتقشف، تُدار الثروات بعيدًا عنهم. وبينما يُمَجَّد الصمود، يُمارَس الهروب: علاج في الخارج، تعليم في الخارج، أموال في الخارج، ومستقبل المواطن وحده في الداخل.
هذا الانفصام ليس تفصيلًا أخلاقيًا، بل دليلًا سياسيًا على طبيعة هذه الأنظمة:
• أنظمة تطالب بالتقشف ولا تمارسه،
• تتحدث عن السيادة ولا تطبقها إلا على شعوبها،
• وتتصنع الوطنية بينما تحفظ مصالحها في الخارج وتترك الشعوب لتُستنزف باسم القضية.

وأخطر ما في هذا الانفصام، أن القضية العادلة نفسها تُستغل داخليًا. فلسطين تتحول إلى ستار يغطي الفشل، وغزة تصبح أداة لإدارة الرأي العام، بينما المواطن يعيش مأساة يومية لم تُستدعى لتغييرها أي قوة فعلية. ما كان يجب أن يكون اختبارًا للضمير السياسي، أصبح مادة خطابية قابلة للاستهلاك، تُرفع عند الحاجة وتُطوى عند انتهاء الغرض.

السياسة، حين تُختزل في “الخطاب”، تصبح مسرحًا. حين تُفرغ القضايا العادلة من مضمونها، تصبح شعارات. وحين تُدار المآسي بدل مواجهتها، يصبح الألم مادة استهلاك، والناس يتعلّمون الصبر على الخداع باسم الوطنية.
لم يعد السؤال: لماذا لا تُفتح الحدود؟
بل: لماذا يُمنع القرار؟
ولماذا تُدار القضايا الإنسانية كأدوات خطابية داخلية بدل أن تكون التزامًا حقيقيًا؟
التاريخ لن يتذكر الذين أتقنوا الخطابة، بل من تحمّل كلفة الفعل.
لن يرحم الأنظمة التي اختارت خطاب الأمان على حساب مواجهة الأزمة.
وحين يسقط ستار “لو” عن المسرح، لن يُسأل أحد عن عدد البيانات، بل عن لحظة واحدة فقط:
متى كان القرار ممكنًا… ولماذا لم يُتخذ؟

الفارق بين واشنطن والقصور العربية ليس في الموارد، ولا في التعقيدات الجيوسياسية، بل في شيء واحد: إرادة الفعل مقابل لغة العجز المُدار.
أمريكا تفعل. والحكام العرب… يتحدثون.
لكن السؤال الذي يظل يطرق أبواب المستقبل:
• إلى متى سيظل المواطن العربي رهينة خطاب لا يغني ولا يسمن؟
• إلى متى ستظل القضايا العادلة أدوات داخلية لإدارة الرأي العام بدل التزام أخلاقي وسياسي؟
• ومتى سيقود القرار الفعل السياسي، بدل أن يقوده الكلام؟

حين تجيب هذه الأنظمة على هذه الأسئلة، فقط حينها يمكن أن تتغير قواعد المسرح، ويصبح للفعل لغة، وللقضية معنى، وللشعب صوت حقيقي.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي