من يحكم العالم؟

الهيموت عبدالسلام
2026 / 1 / 5

1/ أصبحنا في عالم قُتلت فيه القوانين، وذُبحت القيم، وانهارت الأعراف ،أصبحنا في عالم اختُطفت مفاهيم السيادة والعدالة والشرعية والقانون الدولي وتم دفنها كلها في غزة ، وصارت تُقاس العلاقات لا بالقوانين الدولية بل بمن يمتلك السلاح والإعلام والفيتو والغطرسة .
العالم لم تعد تحكمه الحكومات والبرلمانات ورؤساء الدول بما في ذلك ترامب الذي قام بجريمة اختطاف رئيس دولة من عقر قصره في دوس للقانون الدولي وبشبه كبير لما تقوم به العصابات والمافيات ، وليست الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية من تحمي الامن والسلم العالميين ، بل البنوك المركزية، والشركات متعددة الجنسيات، والأجهزة الإستخبارية وكارتيلات السلاح وصناديق الاستثمار العملاقة مثل "بلاك روك" و"فانغارد"، ومؤسسات التصنيف المالي هي التي تقرر مصير الدول والشعوب بضغطة زر ، تلك المؤسسات التي لا تحكم ولا تُنتخب، ولا تحاسب ، ولكنها تملي السياسات والإملاءات على الدول و الشعوب في العالم وخاصة جنوبه، وهي من تحكم العالم وتحكم حكوماته وبرلماناته ورؤساء دوله .

2/ العالم لم يعد يستعمل كذبة المهمة الحضارية لإستعمار الدول ولم يعد يختبئ وراء شعارات تنوير الشعوب ودمقرطتها وإنقادها من التوحش وهلم شعارات ، عالم الراسمالية المتوحشة اليوم يقول الأشياء عارية كما هي: نريد نفطكم، معادنكم ، أسواقكم، وأموالكم، وإن لم تفعلوا فالحصار جاهز، والعقوبات والحصارات مُعدّة، والبدائل لعروشكم وكراسيكم جاهزة .
العالم لم يعد اقتصاد دول بل اقتصاد احتكار، لم يعد سوقا حرة وتنافسية بل مسرحاً للنهب المنظم والقرصنة برا وبحرا وجوا.

3/ من يحكم العالم شبكات المصالح المتشابكة بين القوى العظمى، والشركات الكبرى، ومراكز الفكر واللوبيات، تحكمه العولمة المتوحشة، التي جعلت من الكوكب قريةً لا يسكنها بشر بل تُديرها خوارزميات،تحكمها فلسفة المنفعة والمصالح والنفوذ، وأصبح نظام القيم امريكيا يُقاس الإنسان فيه بما يستهلكه وما ينتجه لا بما يحمله من قيم .
الذين أصبحوا يحكمون العالم فعليا منذ 2001 على الأقل هم المؤسسات المالية وصناديق الاستثمار الكبرى حيث أصبحت تتحكم بأصول تفوق بأضعاف ما تملكه البنوك التقليدية، وتتدخل في قطاعات التمويل والتأمين و القروض للدول والأفراد مثل ،بلاك روك، مجموعة فانغارد، فيديليتي الاستثمارات ،ومستشارو ستريت ستايت العالميون، جي بيمورغان تشيس، غولدمان ساكس، اتحاد البنوك السويسرية، بنك أوف أمريكا، وغيرها من المؤسسات التي لا يتسع المجال لذكرها.

4/ الذين يحكمون العالم كذلك هم من يتحكمون في المنصات والخوارزميات والسرديات ووسائل التواصل الاجتماعي لملايير البشر لضبط وتدفق الوعي اليومي، وصناعة رأي عام، وتكريس رؤية رأسمالية متوحشة، وإدارة النفوذ التلفزيوني والسينمائي والإعلاني والترفيهي والثقافي والتربوي على الصعيد العالمي لتشكيل الوعي واستقطابه لتوجه معين، وتكريس سردية محددة ، وهؤلاء هم : ألفا، ميتا ، أمازون، شركة وولف ديزني، كومكاست، وورنر براذرز ديسكفري، مجموعة سوني، بيرتلسمان الألمانية ،وڤيڤندي الفرنسية وغيرها .
الذين يحكمون العالم فعليا هم مراكز البحوث والفكر والتخطيط الاستراتيجي للتأثير في السياسات والحروب والاقتصاد والسرديات وصناعة القرار هم : مجلس العلاقات الخارجية للولايات المتحدة الامريكية (أخطر مركز تفكير في العالم ،أُسس منذ قرن ،أعضاؤه رؤساء وزراء وجنرالات ومدراء بنوك وإعلام...،) ، كذلك مجموعة بيلدبيرغ (منتدى مغلق للنخب العالمية لا بيانات، لا محاضر، لا مساءلة ، يجمع بين السياسة والمال والإعلام، والتكنولوجيا) ، لجنة الثلاثين ( نواة الحكم المالي العالمي تضم محافظي بنوك مركزية ومدراء بنوك كبرى ،تحدد قواعد السياسات النقدية والمالية التي يجب اتباعها)،
اللجنة الثلاثية( أخطر لجنة التنسيق العالمي ، هي من تصيغ الإطار الذي تتحرك فيه حكومات العالم ، تمنع الصدام بين الدول الغربية وتدبر الخلافات داخل “البيت الغربي” و تضمن السير العادي للقاطرة الإمبريالية، وتهندس الاقتصاد العالمي النيوليبرالي وتحرير الأسواق وخصخصة الخدمات، تجمع هذه اللجنة نخبة النخبة من الولايات المتحدة و أوروبا الغربية واليابان و التحقت لاحقا آسيا ،تتشكل من رؤساد دول سابقون وكبار رجال اعمال ، ومدراء ووزراء ، هذه اللجنة هي من تدعم سياسات صندوق النقد والبنك الدولي ومنطمة التجارة العالمية، وهي من طبخت الكثير من الإصلاحات المؤلمة واللا شعبية لدول الجنوب، وهي صاحبة التقرير الشهير : أزمة الديمقراطية سنة 1975، ومن خلاصاته الديمقراطية الزائدة تربك الحكم ،الاستقرار أهم من الإرادة الشعبية، والديمقراطية المضبوطة بدون شعب مزعج ، هذه اللجنة هي من تصنع النخب الحاكمة وتختارها وتؤطرها وته‍يئها للحكم ، هذه اللجنة تدعو لإلغاء الدولة الوطنية او القومية، وإعطاء السيادة دور وظيفي فقط ، ونقل القرار السياسي من البرلمانات والحكومات إلى الأسواق وللمؤسسات العابرة القارات .
دافوس يعرف باسم ناعم هو المنتدى الاقتصادي العالمي و هو في الحقيقة غرفة لتنسيق المصالح العليا للراسمالية العالمية منذ 1971 ،تتشكل من رؤساء ومديري الشركات المتعددة الجنسيات والمصارف الكبرى وصناديق الاستثمارات، و من عمالقة التكنولوجيا والطاقة والسلاح والغذاء ، ورؤساء الشبكات الإعلامية الكبرى والمنصات الرقمية، و شركات البيانات والخوارزميات ،ورؤساء دول و رؤساء حكومات ووزراء اقتصاد وخارجية ودفاع.
هؤلاء هم من يرسمون السياسات العالمية وسياسات الديون و التقشف و"الإصلاحات" الهيكلية، وتحويل ما يقرر في الغرفة إلى سياسات اقتصادية واجتماعية ، داڤوس هي من تحدد سقف التفكير العالمي السياسي والاقتصادي، وتملي على الحكومات ما يجب أن تفعله، وهي من تختار مستقبل الإنسانية ، دافوس تعتبر الفقر خللا فرديا والغنى كفاءة، وسيطرة الشركات على الدول شريعة ،والإنسان مجرد مورد بشري ورقم في البيانات و مستهلك وكيان قابل للتصرف فيه ،والدولة الاجتماعية يجب دفنها و هي مجرد و سيطة وضامنة ومنفذة، أما الحروب و المناخ والأوبئة والأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يعرفها العالم هي ليست أزمات بل فرص لا ستثمارات جديدة، و أن القضايا التي تطرحها داڤوس والجديرة بالنقاش هي : الثورة الصناعية الرابعة، الذكاء الاصطناعي الحاكم، الاقتصاد بلا نقود، المراقبة الرقمية ، الهوية الرقمية.

5/إلى جانب المؤسسات المالية والمصرفية ، والمراكز الفكرية والبحثية، والشركات الإعلامية والتكنولوجية العملاقة و منصات وسائل التواصل الاجتماعي، هناك ايضا الكارتيلات و المجمعات الكبرى لصناعة الاسلحة والتي تلعب ادوارا استراتيجية كبيرة في القرار السياسي العالمي .
كارتيل صناعة الاسلحة له دور كبير في التحكم الفعلي في سياسات دول الجنوب ، أولاها تمويل الحملات الانتخابية ( لايوجد رئيس أمريكي لم يستفد بشكل مباشر او غير مباشر من تمويل انتخابي مصدره المجمع الصناعي العسكري ، تدوير النخب العسكرية عالميا وخاصة وزراء الدفاع و مديرو شركات الأسلحة ، تضخيم التوترات بين الدول إعلاميا قصد التسابق لشراء أسلحة جديدة ، فرض ربط الاقتصادات الوطنية بالصناعات العسكرية ،الحروب لا تقرر في الجبهات بل في مجالس هذه الكارتيلات .

6/ هذا النظام المتشابك المصالح والمتضامن لكل أدرعه وقواه يبدو متماسكا وقد أحكم الطوق على شعوب العالم في أن تحصل على حريتها وانعتاقها وكرامتها ، لكنه نظام هشّ من الداخل لأنه يقوم على تسريع الزمن، وتدمير المعنى، واستنزاف الطبيعة والإنسان معا، وكل نظام يستهلك شروط بقائه، يحمل في داخله بذور نهايته وإن طال أمده،هذه ليست اول أمبراطورية توهّمت الخلود ، وظنّت أن الشمس لا تغرب عن أمصارها ،قبلها قامت إمبراطوريات ملأت الأرض ظلما وغطرسة ودماء ، وتوهمت أن التاريخ قد بلغ منتهاه عند أعتابها ، لكنها جميعًا سقطت حين انفصلت عن الإنسان الذي ادّعت حكمه، وكذلك اليوم هذا النظام المعولم في ذروة تمدّده ووحشيته، تتشكّل في عمقه ملامح أفوله لأن القوة التي تقوم على الاستنزاف للطبيعة وللإنسان لا تبني مستقبلًا، ولأن الهيمنة التي تُفرغ الحياة من معناها لا تنتج ولاءً، فحين تكتشف الشعوب أن الفقر ليس قدرًا، وأن التبعية ليست مصيرًا، وأن الخوف صناعة لا حقيقة، وان العلم والمعرفة والإرادة أسلحة تتهاوى الإمبراطورية التي كانت تبدو للناس أبدية.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي