كيف نفهم عملية اختطاف -مادورو- ؟ وما هي رسالتنا للمعارضة التونسية؟

عزالدين بوغانمي
2026 / 1 / 5

تمّ اختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو، والتوجه به الى الولايات المتحدة حيث سيتلذذ ترامب النرجسي المريض بمشاهدة مادورو في القفص. لكن لابد من الإشارة إلى توّي السيدة "دلسي رودريغز" نائبة مادورو إدارة الدولة، وهي اليسارية الأكثر جذريّة من مادورو، ذات الخبرة الواسعة، لكونها نائبة الرئيس منذ أكثر من سبع سنوات، وزيرة إعلام سابقة، وزيرة خارجية لثلاث سنوات، رئيسة الجمعية الدستورية لحوالي عام، شقيقها عمدة كاركاس، ووالدها شيوعي سابق تم اغتياله عام 1976، كما ان بروزها السياسي بدأ مع الرئيس السابق شافييز .
هذا يعني أن اختطاف الرئيس مادورو، لا يعني تغير آلي للنهج السياسي للدولة الفنزويلية، فالنظام ما زال قائما، ولذلك فالخصومة مع مادورو الشّخص لا معنى لها، أما الخصومة مع مادورو كتوجّه وطني فلن تُحسم بمجرد اختطافه. وبمنطق ترامب بقاء النظام السياسي الفنزويلي هو المشكلة.

بهذه العملية يُفقد ترامب الولايات المتحدة ما تبقى لها من "عقل الدولة"، فبرأيي، ورغم الموقف المناهض لأي إنسان ديمقراطي ووطني وسويّ في هذا العالم من السياسة الامريكية سواء في عهد ترامب أو من سبقوه، إلا أن الولايات المتحدة كمجتمع ونظام سياسي، تظلّ أكبر من أن تكون لُعبة بيد مقاول عقارات وتاجر بغاء مريض نفسي بشهادة سبعة وثلاثين عالم نفس أمريكي وبشهادة مستشاره السابق للأمن القومي جون بولتون وبشهادة ابنة اخيه (وهي طبيبة نفسية ايضا).

بخصوص مقارنة اختطاف "مادورو" واختطاف "نورييغا" فهي مقارنة خاطئة مضمونيًا، ولا يوجد أي شبه بين الحادثتين سوى صورة البلطجة. فرئيس بنما الأسبق "نورييغا" كان عميلا رسميا للسي آي ايه، تجاوز ما كان أعرافه يسمحون به في نشاطاته في قطاع المخدرات وغسيل الاموال، فاعتقلوه كما يُعتقل أيّ موظّف تابع لجهاز استخباراتهم، وظلّوا ينقلونه من السجون الأمريكية إلى السجون الفرنسية إلى سجون بلاده إلى أن مات.

أما دوافع اختطاف الرئيس مادورو، فهي دوافع اقتصادية وسياسية تتمثل في كسر التوجه الوطني للدولة الفينيزويلية والإطاحة بالنظام للوصول إلى السيطرة على أكبر احتياطي نفطي في العالم، وإعادة نبش موضوع بعض الأراضي التابعة ل"غويانا" المجاورة لفنزويلا، وفتح موضوع قناة بنما لاحقا. غير أن هذا البرنامج لا يبدو مُتاحًا وسهل التنفيذ، وقد يتطلب سنوات طويلة، وقد ترافقه تداعيات كبرى على أمريكا اللاتينية برمتها، وربما على الداخل الأمريكي.

لا توجد أيّ علاقة لجريمة اختطاف رئيس فينيزويلا بمسألة المخدّرات، فكلّ المؤسسات الامريكية ذات الصلة بهذا الموضوع، دراساتها تشير إلى أن فنزويلا هي الأقل بين دول أمريكا اللاتينية في التهريب للولايات المتحدة، بل أن نسبة التهريب قبل الحكم اليساري كانت أكبر بكثير.

من جهة أخرى، لا تخلُ هذه العملية الاستعراضية من رسالة ردع لبقيّة الدول المُصمِّمة على التحّم في مواردها. لكنّ هذا الرّهان سيظلّ بلا نتائج طالما ظلّ النظام الوطني الفنزويلي قائما.

أخيرا عندي ملاحظة لبعض وجوه المعارضة التونسية من فاسدي الوعي والضمير، الذين يُثبتون في كلّ يوم أنهم ليسوا أهل لإدارة مجرّد معتمدية وليس حكم البلاد. فهم يدّعون دفاعهم عن القانون، وفي نفس الوقت يرقصون لاختطاف الرئيس الفنزويلي، ويُصفّقون لترامب على صفحاتهم، كل بطريقته، تمامًا كما يُعبّر الصّهيوني المتطرّف إيلي كوهين.
أودُّ تذكير هؤلاء التّائِهين بأن مادورو ليس مطلوبًا اعتقاله بأمر من المحكمة الجنائية الدولية. بل نتنياهو هو المطلوب اعتقاله من المحكمة الجنائية الدولية منذ سنة وشهرين لارتكابه جريمة الإبادة على غزة. ولو كان هناك عدالة حقيقة لأمر ترامب باعتقال نتنياهو عندما زاره قبل أيام، وسلمه للعدالة. ولأني أعرف أنّهم يتمنّون تكرار نفس العملية الإجرامية في تونس، أُطمئنهم بأن هذه الأُمنية لن تتحقّق أبدًا. وأمامكم حلّ واحد وحيد لا خيار غيره، هو أن تُرمّموا ضمائركم الوطنية المنهارة، وأن تتخلّصوا من جائحة الانتهازية والسّقوط الأخلاقي الذي جعلتكم تتحالفون مع الإرهابيين قَتَلة الأبرياء، وأن تتخلّوا نهائيًا عن الرّهان على الخارج، الذي يتلاعب بكم وبدل من ذلك أن ترتموا في أحضان شعبكم بإخلاص، وتُدافعوا عن قضاياه الحقيقية، وأن تضعوا قضيّة الحريات في قلب معركته الاجتماعية حتى يكون لها أساس ومعنى وحُضن شعبي، عندئذٍ ستهزِمون أي قوّة على وجه الأرض، وسيوصلكم التوانسة للسلطة ورؤوسكم مرفوعة..

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن