أمريكا وإدارة الإخضاع: فنزويلا كنموذج ورسالة مفتوحة للعالم العربي

فريد بوكاس
2026 / 1 / 4

ألمانيا: فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي


في العلاقات الدولية، لا تُقاس السياسات بما يُقال عنها، بل بما تُنتجه على الأرض. والولايات المتحدة، رغم تغيّر الإدارات وتبدّل الخطاب، لم تتخلَّ يومًا عن منطق الهيمنة، بل طوّرته. ما تتعرض له فنزويلا اليوم ليس أزمة داخلية معزولة، ولا نتيجة أخطاء حكم فحسب، بل تجسيد عملي لسياسة أمريكية متقدمة في إدارة الإخضاع دون حرب.


من العراق إلى فنزويلا: حين تصبح السيادة عبئًا

تجربة العراق لا تزال حاضرة بوصفها سابقة مفصلية: غزو شامل، إسقاط نظام، اعتقال رئيس دولة، ثم اعتراف لاحق بأن الذريعة كانت واهية. ومع ذلك، لم تُحاسَب الجهة التي اتخذت القرار. الرسالة كانت واضحة:
القوة لا تحتاج إلى دليل دائم، بل إلى تفوق يسمح لها بفرض روايتها.
بعد كلفة العراق وأفغانستان، لم تتراجع واشنطن عن أهدافها، لكنها عدّلت أدواتها. لم تعد إسقاط الأنظمة عسكريًا الخيار الأول، بل إفراغ الدول من قدرتها على القرار المستقل. فنزويلا تمثل هذا التحول بوضوح.


فنزويلا: العقاب بلا دبابات

لا احتلال عسكري في فنزويلا، لكن ملامح الحرب واضحة:
• عقوبات اقتصادية ممتدة
• خنق مالي يحدّ من قدرة الدولة على الحركة
• عزل دبلوماسي يقيّد الخيارات
• ضغط داخلي متزايد يرهق المجتمع والنظام معًا
هذا المسار لا يستهدف تغيير النظام سريعًا، بل إضعافه تدريجيًا، وتحويل الدولة إلى كيان فاقد للمبادرة، قائم شكليًا، عاجز فعليًا. الهدف ليس إسقاط السلطة بقدر ما هو كسر فكرة الاستقلال السياسي نفسها.


الاقتصاد كسلاح: كيف تُدار المعركة ماليًا؟

من الخطأ فصل الضغط السياسي عن أدواته الاقتصادية. ما تواجهه فنزويلا هو إعادة هندسة قسرية لاقتصاد دولة عبر منظومة مالية عالمية تهيمن عليها الولايات المتحدة وحلفاؤها.
العقوبات استهدفت:
• قطاع النفط، مصدر الإيرادات الرئيسي
• النظام المصرفي والتحويلات الدولية
• قدرة الدولة على الاقتراض أو إعادة الهيكلة
• الوصول إلى الأصول والاحتياطات الخارجية
النتيجة لم تكن مجرد تراجع اقتصادي، بل تعطيل وظيفة الدولة نفسها. حين تُمنع الحكومة من بيع مواردها أو استخدام عائداتها، تصبح عاجزة عن:
• استيراد السلع الأساسية
• تثبيت العملة
• تمويل الخدمات العامة
وهكذا تتحول الأزمة الاقتصادية إلى أداة سياسية: سخط اجتماعي، ضغط داخلي، ثم تحميل السلطة كامل المسؤولية، بينما يُغيب العامل الخارجي عن النقاش العام. هذا النموذج ليس جديدًا؛ استُخدم مع العراق في التسعينيات، ومع إيران، ومع كوبا، ويُعاد اليوم بصيغة أكثر دقة.


القانون الدولي تحت الضغط: شرعية القوة لا قوة الشرعية

تُقدَّم الإجراءات ضد فنزويلا في الخطاب الغربي بوصفها “قانونية”، غير أن التدقيق يكشف فراغًا شرعيًا واسعًا.
فرض عقوبات أحادية خارج إطار مجلس الأمن، وتجميد أصول دولة ذات سيادة، والاعتراف بسلطات موازية، كلها ممارسات محل جدل قانوني عميق.
لكن الإشكالية الحقيقية ليست في النصوص، بل في ميزان القوة. القانون الدولي لا يعمل في فراغ؛ يُفسَّر ويُفعَّل ضمن نظام سياسي يسمح للدول الكبرى بتوسيعه حين يخدمها، وتجاهله حين يقيّدها.
ما جرى في العراق، وما يجري في فنزويلا، يؤكد أن:
الشرعية تُحدَّد في مراكز القرار قبل أن تُصاغ في المحاكم.


السياسة الأمريكية القادمة: استمرارية بلا أوهام

تبدّل الإدارات في واشنطن لا يعني تبدّل العقيدة. المؤشرات تدل على مرحلة قادمة تتسم بـ:
• تقليص التدخل العسكري المباشر
• توسيع العقوبات الذكية والعقوبات الثانوية
• استخدام الاقتصاد كسلاح شامل
• تفعيل أدوات الإعلام والقضاء والمنظمات الدولية
نحن أمام سياسة إخضاع منخفضة الكلفة: لا مشاهد صادمة، بل دول تذبل ببطء، وتفقد قدرتها على المناورة عامًا بعد عام.


لماذا فنزويلا؟
لأنها:
• دولة نفطية ذات موقع استراتيجي
• تتبنى خطابًا سياديًا خارج النسق الأمريكي
• تحاول تنويع تحالفاتها
• ولا تمتلك أدوات ردع كبرى ترفع كلفة استهدافها
بذلك، تصبح فنزويلا رسالة عملية أكثر منها هدفًا نهائيًا.

مقارنة ضرورية: من يدفع الثمن ومن ينجو؟
• كوبا صمدت رغم الحصار لأنها قبلت كلفته دون تغيير موقعها
• إيران تجنبت السيناريو العراقي برفع كلفة المواجهة
• روسيا تُحاصَر لأنها دخلت صراعًا مفتوحًا مع الغرب
• فنزويلا تُستنزف لأنها في منطقة رمادية: لا خضوع كامل ولا ردع كافٍ
في السياسة الدولية، هذه المنطقة هي الأخطر.


العالم العربي: خارج المشهد أم في قلبه؟

الاعتقاد بأن ما يجري في فنزويلا بعيد عن العالم العربي قراءة قاصرة. كثير من الدول العربية تعمل ضمن المعادلة نفسها، مع اختلاف الأدوات والسياقات.
الرسالة الأمريكية غير المعلنة واضحة:
ـ التحالف لا يعني الاستقلال، والحماية ليست دائمة.
ـ الاعتماد المفرط على الدولار، والأسواق الغربية، والمنظومة المالية الدولية يجعل الاقتصاد نقطة الضعف الأولى، قبل أي خلاف سياسي.


قراءة بلا تهويل

ما يحدث في فنزويلا ليس مقدمة حتمية لانهيار، ولا نموذجًا يُنسخ حرفيًا، لكنه مؤشر على اتجاه.
اتجاه يرى في السيادة عائقًا إذا لم تُضبط، وفي الاستقلال مخاطرة إذا لم يُدار.
بالنسبة للرأي العام العربي، الدرس ليس في الدعوة إلى المواجهة، بل في فهم طبيعة النظام الدولي:
نظام لا يحاسب الأقوى، ولا يحمي الأضعف، بل يدير التوازنات وفق المصالح.
في هذا العالم، الدول التي لا تمتلك قرارها، لا تفقده دفعة واحدة، بل تتنازل عنه تدريجيًا… حتى يصبح مجرد عنوان.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي