ومضة ضوء : ترامب ضد مادورو القوة حين تقرر إنهاء ديكتاتور.

محمد سعد خير الله
2026 / 1 / 4

يا لها من بداية رائعة للعام الجديد. فكلما قلّ عدد الديكتاتوريين الموجودين في السلطة حول العالم، كان ذلك أفضل للجماعة الانسانية في كل مكان .

بالتأكيد، وبدون أدنى شك، أرادت الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس ترامب، أن تعيدنا، عبر رمزية التكرار، ستة وثلاثين عامًا إلى الوراء؛ إلى الثالث من يناير عام 1990، حين أقدمت، في عهد الرئيس جورج بوش الأب، على اعتقال رئيس بنما مانويل نورييغا. شملت تلك العملية، المعروفة باسم عملية "السبب العادل" (Just Cause)، نشر آلاف الجنود الأميركيين على الأراضي البنمية. وفق قائمة اتهامات تكاد تكون متطابقة مع تلك التي جرى بموجبها التعامل اليوم مع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، الذي تم اعتقاله هو وزوجته، ويُنظر إليه على أنه مشكوك في شرعيته الرئاسية، ما يجعله محل جدل واسع داخليًا وخارجيًا.

وكأن الديكتاتوريين، عبر الأزمنة، لا يتعلمون الدرس… بل يبدو، وبوضوح صارخ، أنهم لن يتعلموه أبدًا.

((من هو مادورو؟))
نيكولاس مادورو سياسي فنزويلي، وُلد عام 1962، وبرز داخل الحركة التشافيزية بوصفه أحد أقرب المقرّبين من الرئيس الراحل هوغو تشافيز. بدأ مسيرته في العمل النقابي، قبل أن يتدرج في المناصب الحكومية، حيث شغل منصب وزير الخارجية بين عامي 2006 و2012، ثم عيّنه تشافيز نائبا للرئيس عام 2012. وبعد وفاة تشافيز، وصل مادورو إلى سدة الحكم عام 2013 في انتخابات شابها جدل واسع. منذ توليه الرئاسة، رسّخ مادورو نموذجًا لحكم سلطوي قائم على إضعاف المؤسسات، وتسييس القضاء، وإقصاء المعارضة، وتكريس نفوذ الجيش وشبكات المصالح الاقتصادية غير الرسمية. وعلى الصعيد الدولي، ارتبط اسمه باتهامات متكررة بتزوير الانتخابات، والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والفساد المستشري. خارجيًا، نسج مادورو تحالفات وثيقة مع روسيا والصين وإيران، ما وضعه في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة والغرب، وحوّل فنزويلا إلى ساحة صراع جيوسياسي تتجاوز حدودها الوطنية.

((واقع فنزويلا الاقتصادي في عهد مادورو))
شهدت فنزويلا خلال سنوات حكم مادورو انهيارًا اقتصاديًا غير مسبوق، رغم امتلاكها أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم. فقد تميّز المشهد الاقتصادي بتضخم مفرط، وانهيار العملة المحلية، ونقص حاد في الغذاء والدواء والوقود، إلى جانب عزلة دولية متزايدة.
هذا الانهيار قاد إلى أزمة إنسانية واسعة دفعت ملايين الفنزويليين إلى الهجرة، في واحدة من أكبر موجات النزوح في تاريخ أمريكا اللاتينية الحديث. كما شهد الناتج المحلي الإجمالي انكماشًا حادًا على مدى سنوات، ما جعل الاقتصاد الفنزويلي أقرب إلى نموذج
“الدولة الفاشلة” منه إلى دولة نفطية غنية.

((الأسباب الرئيسية للانهيار))
يعود هذا التدهور الحاد إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها: الاعتماد شبه الكامل على النفط، ما جعل الاقتصاد هشًا أمام تقلبات الأسعار العالمية، خاصة بعد انهيار أسعار النفط منذ عام 2014. سياسات اقتصادية شعبوية استُكملت في عهد مادورو، شملت تأميمات واسعة وإنفاقًا غير منضبط، أدى إلى عجز مالي وتضخم جامح.
سوء الإدارة والفساد البنيوي، لا سيما داخل قطاع النفط، الذي يُفترض أن يكون العمود الفقري للاقتصاد.
العقوبات الأمريكية والغربية، التي زادت من صعوبة الوصول إلى التمويل والأسواق الدولية.
تغليب القمع السياسي على الإصلاح الاقتصادي، حيث فضّل النظام إحكام السيطرة بدل معالجة جذور الأزمة.

((الانتخابات الرئاسية الأخيرة))
في انتخابات يوليو/تموز 2024، أعلن المجلس الوطني الانتخابي فوز نيكولاس مادورو بنسبة تقارب 51.2٪ من الأصوات، مقابل نحو 44٪ لمنافسه المعارض إدموندو غونزاليس أوروتيا وفق النتائج الرسمية. غير أن المعارضة، بقيادة ماريا كورينا ماتشادو، رفضت هذه النتائج، مؤكدة أن مرشحها حقق فوزًا كاسحًا وفق بيانات جمعتها من مراكز الاقتراع. كما اتهمت السلطات الانتخابية بالامتناع عن نشر النتائج التفصيلية لنحو 30 ألف مركز اقتراع، ما أثار شكوكًا جدية حول الشفافية.
تقارير دولية، بينها ملاحظات لمراقبين ومنظمات أممية، أشارت إلى أن العملية الانتخابية افتقرت إلى الحد الأدنى من النزاهة، خاصة في ظل التأخير غير المبرر لإعلان النتائج. وعلى إثر ذلك، رفضت الولايات المتحدة وعدد من دول الاعتراف بشرعية الانتخابات، معتبرة أنها لا تعكس إرادة الشعب الفنزويلي.

(وفي هذا السياق، وأثناء كتابة مقالي وبحسب DW الألمانية أعلنت زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو الجائزة على جائزة نوبل للسلام 2025 أن مادورو عُزل فعليًا من السلطة بعد رفضه التخلي عن الحكم عبر التفاوض، مؤكدة أن إدموندو غونزاليس الذي تعتبره المعارضة والولايات المتحدة ومراقبون دوليون الفائز الحقيقي بانتخابات 2024 هو الأجدر بتولي رئاسة البلاد.

((الخلاصة السياسية))
باختصار، لم يكن نيكولاس مادورو مجرد رئيس فاشل، بل نموذجًا لديكتاتور فقد شرعيته الشعبية، فاستعاض عنها بالقوة، وتحالفات خارجية، وشبكات مصالح داخلية. ومع مرور الوقت، تحوّل من أداة إلى عبء، لا على شعبه فحسب، بل حتى على من دعموه وصنعوه.
بشكل شخصي ومن أعماقي، آمل أن يكون الديكتاتور الذي سيلي مادورو من بين حكام الشرق الأوسط ذلك الرجل الذي ذُقْتُ بنفسي من مرارة استبداده وبطشه، ليظل العالم شاهدًا على عواقب الطغيان وضرورة مساءلته.

تنويه: نُشر هذا المقال في نسخته الأصلية باللغة السويدية أمس، السبت 3 يناير 2026، في صحيفة Bulletin، ويُنشر هنا حصريًا النص العربي منه.

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر