|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
فريد بوكاس
2026 / 1 / 2
ألمانيا: فريد بوكاس، صحفي باحث و ناشط سياسي
يشهد المغرب في السنوات الأخيرة تفاقمًا واضحًا في التناقضات السياسية والاجتماعية، تناقضات لم تعد قابلة للتبرير بخطاب “الانتقال” أو “الإصلاح التدريجي”، بل تحولت إلى واقع يومي يعيشه المواطن في تفاصيل معيشه، من القمع إلى الفقر، ومن انسداد الأفق إلى تآكل الثقة.
فعلى مستوى الحقوق والحريات، تتكرر الاعتقالات والمتابعات في قضايا مرتبطة بالتعبير والاحتجاج الاجتماعي، في تناقض صارخ مع الخطاب الرسمي حول دولة الحق والقانون. لقد أصبح الدستور، في نظر كثيرين، نصًا مؤجَّل التفعيل، بينما تُمارس السلطة الفعلية بمنطق أمني يضيّق على الأصوات الناقدة ويبعث برسائل ردع بدل فتح قنوات الحوار.
اقتصاديًا، يعيش المواطن تحت وطأة غلاء غير مسبوق في الأسعار، شمل الغذاء، المحروقات، السكن، والخدمات الأساسية، دون أي حماية حقيقية للقدرة الشرائية. وفي الوقت نفسه، تتصاعد نسب البطالة، خاصة بين الشباب وحاملي الشهادات، ما يحوّل الإحباط إلى ظاهرة جماعية، ويدفع الآلاف إلى الهجرة أو الانسحاب من الحياة العامة.
هذا الاختناق الاقتصادي ينعكس مباشرة في انفجار مظاهر الهشاشة: ناس بلا مأوى، أطفال شوارع، وانتشار الدعارة، ليس بوصفها انحرافات فردية، بل كنتائج بنيوية لسياسات عمومية فاشلة، ولغياب شبكة حماية اجتماعية حقيقية. الدولة، التي تُكثر من الحديث عن النماذج التنموية، تبدو عاجزة عن حماية الفئات الأضعف أو حتى الاعتراف بحجم المأساة.
أما التعليم والصحة، فقد دخلا مرحلة انهيار صريح: مدارس عمومية مكتظة، جودة متدهورة، خصاص مهول في الأطر، ومستشفيات تفتقر للتجهيز والكرامة الإنسانية. المواطن الفقير يُترك لمصيره، بينما يصبح الولوج إلى التعليم الجيد والعلاج اللائق امتيازًا طبقيًا لا حقًا دستوريًا.
في مقابل هذا المشهد القاتم، يبرز تناقض فاضح يتمثل في توسع الاستثمارات المرتبطة بالقصر الملكي في مختلف القطاعات داخل المغرب وخارجه، إلى جانب اقتناء القصور والعقارات الفاخرة. ورغم الترويج لهذه الأنشطة باعتبارها استثمارات “وطنية”، فإن غياب الشفافية، وتداخل السلطة بالثروة، واحتكار القطاعات الاستراتيجية، يجعل الحديث عن المنافسة العادلة والعدالة الاجتماعية مجرد شعار فارغ.
الأخطر من ذلك هو آلية التنصل من المسؤولية: فكلما تفاقمت الأزمات، يُلقى بالفشل على الحكومة، التي تُقدَّم ككبش فداء للرأي العام. غير أن الواقع يكشف أن هذه الحكومات لا تمتلك سلطة حقيقية، ولا تملك قرارًا سياديًا مستقلًا، بل تتحول إلى مجرد وزراء منفذين لتعليمات لا يشاركون في صياغتها. يتحملون كلفة القرارات اللاشعبية، دون أن يُسمح لهم بتغيير المسار أو الدفاع عن خيارات اجتماعية بديلة.
أما البرلمان، فقد جرى تفريغه من دوره الدستوري، ليتحول في نظر المواطنين إلى مؤسسة شكلية، دورها الأساسي المصادقة والتصفيق. غابت الرقابة الجدية، وضعفت المساءلة، وتلاشت المعارضة، في مشهد يعكس موت السياسة داخل المؤسسات، لا خارجها.
وهكذا تتكرس معادلة خطيرة: السلطة الحقيقية خارج المساءلة، والمؤسسات المنتخبة بلا سلطة. وهي معادلة تُنتج الغضب، وتغذي العزوف الانتخابي، وتُعمّق الشعور العام بأن السياسة مجرد مسرح، وأن المشاركة لا تغيّر شيئًا.
إن الأزمة في المغرب لم تعد أزمة سياسات فقط، بل أزمة نظام حكامة قائم على ازدواجية الخطاب والممارسة: حديث عن التقشف وعدالة اجتماعية، يقابله بذخ وتركيز للثروة؛ خطاب إصلاحي، يقابله واقع اجتماعي متدهور؛ تحميل للمسؤولية، دون تحديد حقيقي لمن يملك القرار.
وأمام هذا الوضع، يظل السؤال الجوهري معلقًا: كيف يمكن الحديث عن تنمية واستقرار دون ربط فعلي بين السلطة والمحاسبة؟ فالدول لا تنهار فقط بالفقر، بل حين يُطلب من المواطن الصبر الدائم، بينما يُمنع عنه الحق في السؤال والمساءلة والأمل.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |