|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

كرم نعمة
2026 / 1 / 2
لطالما كنت حذرًا وأنا أتأمل رزنامة أرقام هواتف أصدقائي مع نهاية كل عام، حذرًا يبلغ حدّ الخوف. وعلى مدى سنوات لم أجرؤ على حذف أي رقم يعود إلى صديق راحل. كأن الحذف اعتراف نهائي، وكأن الإبقاء نوع من المقاومة الصغيرة، أو خدعة بريئة للنفس. هكذا بقيت الأرقام، أشبه بوهم يشبه الموت نفسه: يقين يتخفى في هيئة شك. محاولة يائسة للإقناع بأنهم ما زالوا هناك، كما كانوا، وأن بإمكاني أن أرسل لهم جملة قصيرة، سعيدة، في رأس عام جديد.
لم تكتف الروائية شهد الراوي بتحسس عمق وجعنا على الذين نفتقدهم إلى الأبد، بل جعلتنا نقتسم الحزن مع بطلتها على موت أمها في “فوق جسر الجمهورية” وهي تكتب: عندما يموت الناس الذين نحبهم لا نشعر بالحزن وحده، نشعر بالذنب أيضا، بشيء من الخجل من موتهم، كما لو أننا نستهلك حصتهم من الأوكسجين!
استذكرت هنا صرخة فتحية بطلة فؤاد التكرلي في “المسرات والأوجاع” وهي تفقد حبيبها المنقذ شهيدا في جبهات القتال، لم تجد غير جملة عتب وغضب من الموت نفسه متسائلة في وجع أناني “إلا هو؟” أيها الموت لديك الملايين من البشر لتأخذهم لماذا اخترت حبيب فتحية التي تترقب عودته من جبهات القتال؟
هذا العام كانت جردة الحساب ثقيلة كأن أصدقائي الموتى لم يرتكبوا أي خطأ في حياتهم حتى لحظة موتهم، خطأهم الوحيد في حياتهم أنهم ماتوا وتركوا أرقام هواتفهم حية لدي. هكذا بقيت تلك الأرقام أثقل من الحزن نفسه. رزنامة هواتف الأصدقاء الراحلين صارت أطول بكثير من قائمة الأحياء. سأكتب هنا حزمة من أسماء أصدقائي الموتى، قد لا تعني شيئا لقارئ هذا المقال. لكنهم وهم موتى يستحوذون على ذاكرتي الحقيقية وذاكرة هاتفي، بينما لا يمكن لي أن أسمع أصواتهم من العالم الآخر.
اكتشفت ذلك فجأة، بلا تمهيد. شعرت بوطأة الموت من جديد وأنا أعد رسالتي القصيرة في السنة الجديدة، ذلك الموت الذي لا يتوقف، ولا يلتفت، ولا يعبأ بقلبي المسكين وهو يكسره مرة تلو الأخرى. يأخذ أصدقائي ويمضي. ويترك لي أرقامًا صامتة، تتحول إلى نوع من الوهم، إلى خدعة لروح تطوف فوق الرأس ولا تجد أين تحط.
أسأل نفسي في رأس السنة: هل سأكتب تهنئة لأصدقائي الموتى؟ وإلى أين ستصل؟
هل يكفي أن أرسل رسالة قصيرة، أعرف مسبقًا أنها تعبر عن عجز اللغة، لكنها صارت حاجة تكنولوجية أكثر منها اجتماعية؟ رسالة لموتى يرقدون بسلام، أو هكذا نحب أن نصدق. هل يعرف الميت ما يحدث لنا؟ هل يشعر؟ هل يبتسم؟ لو كان بإمكاننا معرفة الأجوبة عن هذه الأسئلة لانتهت مشاكل الخليقة برمتها. لم يحدث أن عاد ميت ليخبرنا بما رآه، أو ما حدث له، أو إن كانت رسائلنا تصل فعلًا.
ما نقص هذا العام ليس الأسماء ولا الأرقام، بل قدرتنا على الاحتمال. رأس السنة لم يعد موعدًا للوعود، بل لحساب الخسائر. جردة الوجوه التي لم تعد ترد، ولا تبتسم، ولا تخطئ في التوقيت، ولا تسأل: “أين أنت؟”.
نحن لا نخاف الموت بقدر ما نخاف اعتياده؛ أن يتحول إلى خبر عابر. أن يصبح اسم الصديق ذكرى بلا رعشة. أن نفتح الهاتف فلا نشعر بالصدمة، بل بالروتين.
الهاتف لم يعد وسيلة تواصل، بل أرشيف فَقْد. ذاكرة باردة تحفظ كل شيء بلا انفعال، وتترك لنا عبء التفسير والحزن.
المفارقة أن التكنولوجيا، التي وُعدنا بها لتقريب المسافات، عمّقت الوحشة. الهاتف الذكي يحتفظ بالأموات بذكاء لا يعرف الشفقة. لا يسأل عن مصيرهم، لا يحزن، لا يمسحهم. يترك القرار لنا.
ونحن، بدافع الوفاء أو العجز أو الخوف من الفراغ، نؤجل الحذف كما نؤجل الاعتراف. كأن بقاء الرقم يعني بقاء الصديق. وكأن المسح موتٌ ثانٍ لا نحتمله.
في رأس السنة، حين تمتلئ الشاشات بتهانٍ جاهزة ومكررة، نكتشف أن اللغة خانتنا. لا توجد جملة قصيرة قادرة على عبور المسافة بين الحياة والموت. ولا توجد أيقونة تعبّر عن الغياب. حتى الحزن صار يحتاج تحديثًا لا يأتي. الكلمات تبدو مبتذلة أمام الفقد، والتهنئة تتحول إلى فعل مرتبك، أقرب إلى الاعتذار.
أصدقائي الموتى ليسوا فكرة رومانسية. هم اختبار يومي لمعنى البقاء. لماذا نواصل؟ ولمن نكتب؟ وهل الكتابة، في جوهرها، ليست إلا محاولة متأخرة للحديث مع من لن يرد؟ ربما نكتب لأنهم لا يجيبون. وربما نكتب كي لا نصمت مثلهم.
أما الأحياء، القلة الباقية، فلا ذنب لهم. لكنهم يبدون مرتبكين مثلنا. نهنئ بعضنا بحذر. نتصافح بقلق. كأننا نعتذر لأننا ما زلنا هنا في عام 2026، لأننا نجونا بالصدفة، أو بالتأجيل. رأس السنة لا يبدو احتفالًا بقدر ما يبدو مرآة. ننظر فيها فنرى من رحل أكثر مما نرى من بقي.
أغلق الهاتف أخيرًا. لا لأن القائمة نقصت. بل لأن القلب لم يعد يتسع لمزيد من الأرقام التي لا ترن.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |