ابنة الفجر وأول ضياء العام

بلقيس خالد
2025 / 12 / 31

ابنة كانون الثاني

في محراب داري.. مهيئة بالحب،
أرتبُ الوقت، وأصقلُ زوايا الروح لاستقبال الضيف الأغلى...
مع العام الجديد ستطرقُ بابي، تلك الصغيرة التي خبأتها في خزائن الذاكرة،
آتيةٌ هذه الليلة لتشاركني مائدة الميقات.
أفرشُ طاولة الأيام القادمة بشرشف من التفاؤل،
وأضعُ في وسط المائدة مزهرية ملأتها بأجوبة استلمتها من عمرٍ مضى.
أرتبُ الصحون بعناية: صحن للرضا، وآخر للدهشة، وكأس مترعة بسلسبيل الصبر
أشعلُ شموعاً برائحة الطمأنينة، وأنثرُ من حولي عطراً يشبه رائحة الورق الجديد، وأنفاس الفجر حين يضحك.
وها هي تقترب.. أسمعُ وقع خطاها الخفيفة، رفيف فستانها يشبه رفيف ذلك الحمام الذي حلّق في أحلامي.
تدخل تلك الطفلة بضفيرتيها المليئتين بشرائط الشمس، تنظرُ إليَّ بعينيها الواسعتين وتتساءل:
هل كبرنا بما يكفي لنكون سعداء؟
أبتسمُ لها، أمسكُ يدها الغضة، وأجلسها في مقعد الدهشة، وأهمسُ في أذنها: يا طفلة الروح، لقد أعددتُ لكِ عاماً يشبهُ قلبكِ..
المائدة بيننا: عُمرٌ، يعاد تأمله.
وهي تعبث بطرف الشرشف الأبيض صاحت: يا أنتِ.. يا من تشبهينني وتسكنين مستقبلي، أخبريني..
هل كل هذه السنين التي قطعتها كانت تستحق العناء؟ ولماذا أرى في عينيكِ ضوءاً يختلف عن ضوء عينيَّ؟.
: يا صغيرتي الجميلة، كل تعب كان سفراً إلى الداخل..
الضوء الذي ترينه هو زيت التجارب الذي احترق ليضيء ممرات روحي.
لقد تعلمتُ أن السنين: مقامات، نمرُّ بها، من مقام القلق إلى مقام السكينة، ومن ضيق السؤال إلى اتساع الرضا.
مستغربة: ولكنني هنا، في قلبي الصغير، أحفظ حكمة تقول: إن العالم بسيط كقطعة حلوى، وجميلٌ كركضة خلف فراشة. لماذا تعقدون الأشياء حين تكبرون؟
لماذا تبحثون عن إجابات مخبأة في جيوب الأعوام، وهي حاضرةٌ في ضحكة الآن؟.
أتأمل عينيها..، وأهمسُ: صدقتِ يا فطرتي الأولى.. حكمتكِ هي الأصل، وحكمتي هي العودة.
أنتِ تملكين اليقين لأنكِ لم تفقدي بعد دهشتكِ، وأنا وصلتُ إلى الحكمة حين أدركتُ أن أقصى ما يمكن أن أصل إليه هو أن أستعيد دهشتكِ تلك،
تجاربي علمتني أن القوة ليست في مراكمة الخيبات، انما في غسلها كل صباح بماء التفاؤل،
والخبرة أخبرتني أن أجمل ما في العمر هو تلك المساحة التي تركتها لكِ لتعيشي فيها بداخلي.
تنظر هي إلى بوابة 2026: إذن، بماذا سندخل العام الجديد؟ بحقيبة تجاربكِ المثقلة، أم بخفة خطاي؟
:سندخل بهما معاً. سأستعيرُ منكِ دهشتكِ لأرى بها الأشياء لأول مرة، وسأمنحكِ حكمتي لنعرف أين نضع أقدامنا.
سنمشي كأننا لم ننكسر قط، ونستقبل العام الجديد بيقين من يرى في كل محنةٍ.. منحة، وفي كل يوم.. فيضاً سلسبيلاً من اللطف الإلهي.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن