هيجان في القاهرة وضجيج في بغداد

عبدالله عطية شناوة
2025 / 12 / 31

ضجيج في مصر وضجيج مماثل في العراق، والسبب واحد، ثقافة تصنيم الرموز الثقافية التي تضرب جذورها عميقا في الوعي الجمعي، بغض النظر عن اختلاف الفئات الأجتماعية، لا فرق بين منتجي الثقافة ومتلقيها ومستهلكيها.
الوسط الثقافي المصري هاج وماج بسبب فيلم، رأى فيه الهائجون أساءة وإهانة لأم كلثوم وأعتبر ذلك إهانة لمصر.
الفلم لم ينتقص ابداً من القيمة الفنية لمعجزة الغناء العربي، وهذا وحده ينبغي ان يكون سبباً لقبوله، والتركيز على جوانبه الفنية من حيث التمثيل والأخراج، للإشادة به أو نقد ما فيه من جوانب ضعف لا تليق بفيلم عن القامة الفنية الأكثر شموخا في مصر والعالم العربي. لكن هستيريا مهاجمة الفيلم كانت لها أسبابا أخرى، وهي تعامله مع أم كلثوم كأنسانة، مثل بقية البشر لها جوانب مشرقة وأخرى معتمة، قد تكون مصادر المعلومات عنها صحيحة أو خاطئة. وحتى لو كان عرض الفيلم لحياة أم كلثوم الانسانة لم يبن على حقائق مثبتة أو تحيط بعضها الشكوك، يمكن الإشارة اليها، ومناقشتها دونما انفعال وعدم مهاجمة الفيلم والمشاركين فيه، لأنه فيلم روائي وليس وثائقياً. والفيلم الروائي ليس مطالبا بالإلتزام حتى بما هو ثابت ومعروف للجميع سواء كان يتناول شخصية أو حدثاً تأريخيا ً أو حتى شخصية وحدثاً معاصرين.
لكن ثقافة التصنيم المترسخة في مجتمعاتنا تصر على تصوير الرموز من خلال مرشح تعظيم الرمز في كل جوانبه، وتقديمه على هيئة نصف إله معصوم من أية نواقص قيمية أو نفسية.
وقام الوسط الثقافي العراقي ولم يقعد بعد، لذات السبب ولكن الأمر هنا لا يتعلق بأم كلثوم بل بأحد مطلقي حركة الحداثة في الشعر العربي، الشاعر الكبير بدر شاكر السياب، ليس لأن أحدا قد انتقص من مكانته الشعرية ودوره في تجديد الشعر العربي، بل في تقييم لشخصيّته بني على سماته الجسمانية وقسماته العضوية، صدر عن أديبة عراقية عاصرته، وكانت على إطلاع على جانب من خيباته العاطفية، وخلصت الأديبة بلقيس شرارة إلى ان تكوينه الجسماني وعدم تناسق قسماته مثل كبر الإذنين قد إنعكس ضعفا في شخصيه.
وأيا كان الحال فان تقييم شرارة السيكولوجي لشخصية السياب، يبقى وجهة نظر شخصية تتعلق بصاحبتها، قد تكون صحيحة أو لا تكون، وكل هذا لا يقترب من شخصية السياب الشعرية ولا من مكانته في الشعر العربي، ولا يبرر بأي شكل من الأشكال "الغارات" الثقافية التي شنّت على بلقيس شرارة. ولكن الأمر كما في الحالة المصرية، يتعلق بآفة تصنيم الرموز.
ومع هذا تبقى ردود الفعل على التعرض للرموز الثقافية، أقل كارثية وخطرا من التعرض للرموز السياسية والدينية. مما يبعث على إعادة طرح السؤال: هل ثمة أمل في التحرر من ثقافة تصنيم الرموز، أو التخفيف من لهيبها؟

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن