خلف الملاعب اللامعة: المغرب بين القمع وخصخصة الدولة

فريد بوكاس
2025 / 12 / 30

ألمانيا: فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي


لم يعد الصمت ممكنًا، ولم تعد اللغة المواربة صالحة. ما يجري في المغرب اليوم ليس “تحديات تنموية”، ولا “إكراهات مرحلة”، بل سياسة ممنهجة تقوم على تلميع الواجهة، وسحق المجتمع، وتجفيف الحقوق، وبيع البلد قطعة قطعة.

بينما تُفتح الملاعب العملاقة، وتُرفع الشعارات عن “النجاح” و“الاستقرار”، يُغلق في وجه المواطن أبسط حقوقه: العلاج، التعليم، الشغل، السكن، وحرية الكلمة. نحن أمام دولة تهتم بالصورة أكثر من الإنسان، وبالاستعراض أكثر من العدالة.

ملاعب بمليارات… ومستشفيات تحتضر

تُنفق مليارات الدراهم على ملاعب وتهيئات مرتبطة بتظاهرات دولية، في حين أن المستشفى العمومي في حالة موت سريري. مواطنون يموتون في قاعات الانتظار، أطباء يفرّون، تجهيزات منعدمة، ودواء مفقود. الرسالة واضحة: إن لم تكن غنيًا، فمرضك شأنك.

هذا ليس عجزًا، بل اختيار سياسي: خوصصة غير معلنة للصحة، وترك الفقراء لمصيرهم.

التعليم: تدمير متعمّد للمدرسة العمومية

المدرسة العمومية تُفكَّك أمام أعين الجميع. أقسام مكتظة، تعليم متدنّي، أساتذة بلا كرامة، ومناهج بلا رؤية. في المقابل، يُفتح المجال للمدرسة الخاصة لتتحول المعرفة إلى تجارة، والحق إلى امتياز.
الدولة تعرف جيدًا أن تجهيل المجتمع أسهل من تمكينه، وأن مواطنًا بلا تعليم جيّد هو مواطن أقل قدرة على السؤال والمحاسبة.

شغل مهين أو لا شغل

الشباب المغربي يُدفَع إلى اليأس. بطالة واسعة، عقود هشّة، أجور لا تكفي للعيش، وغياب شبه تام للحماية الاجتماعية. من يعمل، يعمل بلا كرامة. ومن يحتج، يُقمع.
في المقابل، تُمنح الامتيازات الضريبية والعقارية لكبار الفاعلين، ويُحمى رأس المال، لا الإنسان. اقتصاد يخدم القلة ويُفقِر الأغلبية.

القمع: سياسة دولة لا استثناء

عندما يخرج المواطن للاحتجاج على الغلاء، أو الفساد، أو التهميش، لا يسمع سوى لغة واحدة: المنع، المتابعة، السجن. الصحفي، المدوّن، الناشط، كل من يرفع صوته، يصبح “مشكلة”.
لا حوار، لا محاسبة، لا اعتراف بالأخطاء. فقط قبضة أمنية تُستعمل لإسكات الغضب بدل معالجة أسبابه.

الدولة للبيع… بلا خجل

أخطر ما يحدث اليوم هو تفويت ممتلكات الدولة بشكل واسع وممنهج. أراضٍ عمومية، شركات، قطاعات استراتيجية، تُباع أو تُمنح للخواص باسم “الإصلاح”.
وفي قلب هذا المسار يقف الهولدينغ الملكي كلاعب مهيمن: يقرّر، يستثمر، يستفيد. نفس الدائرة تجمع السلطة الاقتصادية والسياسية، بلا شفافية، بلا رقابة، بلا مساءلة. هذا ليس اقتصاد سوق، بل اقتصاد نفوذ.

الإمارات: شريك أم مالك؟

الحضور الإماراتي في المغرب لم يعد تفصيلاً. موانئ، عقار، مشاريع كبرى… السيطرة تتوسّع، بينما المواطن لا يرى أثرًا إيجابيًا في حياته. لا شغل لائق، لا تنمية محلية، فقط تحويل أصول استراتيجية إلى مصالح خارجية.
السؤال المحرِج: من يقرّر؟ ولمصلحة من؟

السكن: هدم بالقوة… وتشريد بلا رحمة

في المدن، تُرتكب جريمة يومية: هدم البيوت على رؤوس أصحابها. عائلات تُشرَّد، أحياء تُمحى، أطفال يُرمَون إلى الشارع. كل ذلك لخدمة مشاريع عقارية فاخرة، يستفيد منها المضاربون فقط.
الدولة لا تحمي الضعيف، بل تقف مع الأقوى. القانون يُستعمل كسلاح ضد الفقراء، ومافيا العقار تُحاط بالحماية.

خلاصة بلا تزيين

ما يجري في المغرب هو انفصال كامل بين الدولة والمجتمع. دولة تهتم كيف تبدو في الخارج، لا كيف يعيش مواطنوها في الداخل. دولة تستثمر في الحجر، وتُدمّر البشر.
ـ لا ملاعب ستُخفي الفقر.
ـ لا قمع سيصنع استقرارًا دائمًا.
ـ ولا بيع للبلد سيخلق عدالة.

السؤال لم يعد عن التنمية، بل عن الشرعية الأخلاقية والسياسية لهذه الاختيارات.
إما تغيير جذري يعيد الحقوق لأصحابها، أو استمرار في مسار خطير، تدفع ثمنه الأجيال القادمة.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي