جرح عميق في ذاكرة العراق

كرم نعمة
2025 / 12 / 29

قال بورخيس يومًا: «الجنة مكتبة». لم يكن يبالغ، كان يصف مصيره. القراءة عنده ليست عادة، بل قدر. المكتبة ليست مكانًا، بل كونًا لا ينتهي، حيث الكلمات تتحول إلى مصائر، والكتب إلى حيوات إضافية داخل الحياة.
وأنا، في هذا العمر، أجد نفسي محظوظًا لأنني أقرأ، وأقرأ، وكلما شعرت بتعب ساعات القراءة أعود إلى كتاب كوينتين بيل عن سيرة فرجينيا وولف لأجدد تلك النشوة التي تصنعها اللغة حين تكون صادقة مع ذاتها. كتاب كوينتين عن خالته فرجينيا لا يشيخ، لأنه يضيء في كل مرة، كأن اللغة فيه كائن حيّ يتجدد.
لكن ما معنى أن تكون الكتابة صادقة؟ بيل يجيب من خلال نصه لا من خلال التعريفات. يقول: «الكتاب جزء من الذات، وعند دفعه إلى القراء يشعر المرء وكأنه يدفع طفله إلى حركة المرور». هنا الكتابة ليست دفاعًا ولا تبريرًا، بل تعرية للذات أمام الآخرين، اعتراف يضيء أكثر مما يبرر. ويضيف في موضع آخر: «الشيء الملعون في الفن الرديء هو أن عدم الإخلاص الكامن في جذوره لا يدركه الفنان نفسه». هذه العبارة تصلح أن تكون معيارًا نقديًا لأي كتابة في فن السيرة والمذكرات. فالإخلاص للذات وللغة هو ما يمنح النص إشراقه، أما التلفيق فإنه يفضح نفسه مهما بدا متقنًا.
حين نلتفت إلى كتب المذكرات والسير الذاتية التي صدرت في العراق خلال العقود الثلاثة الأخيرة، نجد أن أغلبها لم تُكتب بهذا النفس. لم تكن شهادات، بل محاكمات. لم تكن لغة تبحث عن جوهرها، بل أقنعة تحاول أن تبرئ أصحابها مما حصل. الكاتب فيها لا يتقدم كشاهد، بل كمدافع، يتقمص دور الضحية أو البطل، بينما ما زال كثير من شخوص الأحداث أحياء يعرفون الحقيقة.
أليس هذا هو التلفيق المكشوف؟ أن تتحول المذكرات إلى خطاب دفاعي، وأن تفقد اللغة اتساقها الداخلي لأنها لا تنبع من الذات، بل من صورة مصطنعة؟ إن السر المشرق في الكتابة لا يكمن في البطولة المصطنعة، بل في الاعتراف بالضعف، في الإضاءة على الالتباس، في تحويل التجربة الفردية إلى شهادة إنسانية.
اللغة حين تكون مخلصة، تصبح ضوءًا ينساب في النص، يضيء ما هو شخصي ليكشف ما هو عام. أما حين تكون متواطئة مع التلفيق، فإنها تنطفئ، وتترك النص باردًا، بلا حرارة، بلا حياة. لهذا يحتاج فن السيرة والمذكرات في العراق إلى مراجعة جذرية: أن يتحرر من هاجس التبرئة والتلميع، وأن يعود إلى جوهره، شهادة صادقة تحفظ الذاكرة وتفتح أفقًا جديدًا للقراء. وليس كما يحدث الأن في التدمير المتعمد للذاكرة الجمعية وإلحاق جرح عميق بالتاريخ الحديث للعراق. كذلك تُلحق ما يمكن أن نسمية قسرا “النخبة” السياسية منها والأدبية جرحا عميقا بنفسها وبتاريخ البلاد المعاصر.
حين تتحول المذكرات والسير الذاتية إلى خطاب دفاعي، فإنها لا تكتفي بتزييف صورة فرد، بل تساهم في تدمير الذاكرة الجمعية. العراق، في عقوده الأخيرة، عاش أحداثًا كبرى ما زالت جراحها مفتوحة، وما زال شهودها أحياء. وحين يعمد الكاتب أو السياسي إلى إعادة صياغة تلك الأحداث بلغة تبريرية، فإنه يطمس الشهادة الحقيقية ويزرع في الذاكرة العامة صورة زائفة. هذا ليس مجرد خطأ فردي، بل فعل متعمد يهدد التاريخ المعاصر، لأنه يخلط بين الحقيقة والخيال، بين الاعتراف والإنكار. وهكذا تصبح المذكرات أداة لمحو الذاكرة بدل أن تكون وسيلة لحفظها.
المفارقة أن هذا التلفيق لا يجرح التاريخ وحده، بل يجرح الكاتب نفسه أيضًا. فاللغة التي تُكتب بروح الدفاع تفقد اتساقها الداخلي، وتتحول إلى قناع هشّ، يفضح صاحبه أكثر مما يحميه. القارئ يشعر بالافتعال، ويكتشف غياب حرارة الاعتراف. وهكذا يخسر الكاتب مصداقيته، ويخسر النص قيمته، ويخسر التاريخ شاهدًا كان يمكن أن يضيء جانبًا من التجربة العراقية. إن الجرح هنا مزدوج: جرح للذات التي لم تجرؤ على الاعتراف، وجرح للذاكرة الجمعية التي حُرمت من شهادة صادقة.
لكن السؤال يظل قائمًا: لماذا يكتب السياسي أو الأديب مذكراته؟ هل ليكون شاهدًا على زمنه، أم ليبرئ نفسه من تهمة، أو ليصنع لنفسه صورة بطل؟ في العراق، كثير من هذه النصوص اختارت الطريق الأسهل: الدفاع. كأن الكاتب في محكمة، لا في نص أدبي أو تاريخي. كأن اللغة نفسها تتحول إلى محامي، لا إلى شاهد.
وهنا تكمن المفارقة. اللغة لا تستطيع أن تبرئ صاحبها إذا لم تكن صادقة. اللغة شاهدة، لا محامية. كل محاولة لتزييفها تنكشف، لأن القارئ يشعر بالافتعال، ويكتشف غياب الاتساق الداخلي. النص الذي يُكتب بروح الدفاع يفتقد حرارة الاعتراف، ويترك أثرًا باردًا، بلا حياة.
في المقابل، النص الذي يُكتب بروح الاعتراف، حتى لو كان مؤلمًا، يضيء. الاعتراف بالضعف لا يقل قيمة عن البطولة، بل هو البطولة الحقيقية. أن يقول الكاتب: أخطأت، ترددت، ضعفت، هو ما يجعل النص شهادة إنسانية. أما أن يقول: كنت بريئا مما حصل، أو ضحية دائمًا، أو بطلًا دائمًا، فهو ما يجعل النص قناعًا يخفي الحقيقة.
إن فن السيرة والمذكرات في العراق يحتاج اليوم إلى أن يتحرر من هذا القناع. يحتاج إلى أن يعود إلى جوهره: أن يكون شهادة صادقة، لا خطابًا دفاعيًا. أن يكون لغة مخلصة، لا لغة متواطئة. أن يكون ضوءًا، لا قناعًا.
فالكتابة المضيئة ليست ترفًا ومجرد مسعى للتجريب ولعب مع اللغة، بل مسؤولية. إنها التي تحفظ ذاكرة العراق الثقافية من التشويه، وتعيد للزمن المضطرب صورته الحقيقية. لأنه يجعل النص شاهدًا حيًا على عصره، لا قناعًا يخفيه. وهكذا يبقى السر المشرق في الكتابة هو أن تتسق اللغة مع الذات، وأن تتحول السيرة إلى شهادة إنسانية مضيئة، تحفظ للعراق ذاكرته وتمنح القارئ نافذة على الحقيقة، لا على الوهم.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي