المغرب و الكرم المفقود: الدولة تُكرم الزائر وتُهمل المواطن

فريد بوكاس
2025 / 12 / 29

ألمانيا: فريد بوكاس، صحفي باحث و ناشط سياسي


في كل مناسبة رياضية أو ثقافية، يظهر المغرب للعالم كبلدٍ كريم، مضياف، يفتح ذراعيه للزائر، ويقدم له ما لا يقدمه لمواطنيه. صور ومقاطع الفيديو المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد دليل على الضيافة المغربية، بل صارت تعبيرًا صارخًا عن السياسات العمومية المنحازة للواجهة على حساب الواقع.

المطاعم والمقاهي تقدم وجبات مجانية للزوار من الجزائر وتونس ومصر، تحت شعارات تلمع الصورة الخارجية، وتثير إعجابًا واسعًا على الإنترنت. الجمهور يشيد بالكريم المغربي، والوسائل الإعلامية تصوّر المشهد وكأنه نموذج أخلاقي عالمي. والمفارقة الأكثر إيلامًا هي أن هؤلاء الزوار يمتلكون المال الكافي لتغطية تكاليف إقامتهم، لكن يُقدّم لهم الكرم كأمر مفترض، وكأن وجودهم يحتاج إلى تبرير.

في المقابل، ملايين المغاربة—أبناء هذا الوطن—يعيشون يوميًا بلا ضمان وجبة واحدة. أطفال لا يعرفون متى ستكون وجبتهم التالية، أسر لا تملك القدرة على توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة، شباب محاصر بالبطالة والفقر، وأحياء كاملة محرومة من أبسط الخدمات الأساسية. هذا الواقع لا يظهر في الفيديوهات ولا يثير ضجة إعلامية، لأن النظام السياسي في المغرب يهمه أكثر ما يُعرض على الخارج من صورة جميلة، لا ما يحدث خلف الكواليس.

هذا هو جوهر النفاق السياسي والاجتماعي: كرم استعراضي موجه للكاميرا، وتجويع ممنهج لمواطني الوطن. الدولة تتباهى أمام العالم بمشهدية الضيافة، بينما أبناؤها يعانون الظلم الاجتماعي، وتظل السياسات العمومية عاجزة أو متواطئة عن معالجة الفوارق.

الكرم الحقيقي، يا من تتغنى به الشعارات، لا يقاس بعدد الوجبات المجانية التي تُقدّم للزائر، بل بقدرتك على توفير الحياة الكريمة لمواطنيك، وضمان العدالة الاجتماعية، والتقليل من الفوارق بين الأغنياء والفقراء. أي شعب يكرم الأجنبي أكثر من أبناءه يكشف هشاشة أخلاقية وسياسية لا يمكن تبريرها.

السياسات العمومية في المغرب تركز على التجميل الإعلامي بدل معالجة الواقع:

• الموارد تُوجَّه لتلميع الصورة أمام الخارج، لا لتوفير الأمن الغذائي والحق في التعليم والصحة للمواطنين.
• الحملات الاجتماعية والإعلامية تظهر الفرح والكرم، بينما الواقع المؤلم للغالبية يُخفى أو يُتجاهل.
• الدعم والمساعدات الموسمية للزائر تُقدَّم على حساب أولويات المواطنين المحليين.

وهنا تكمن المأساة الكبرى: النظام نفسه يربّي مجتمعًا يتعامل مع الكرم كعرض ترفيهي، لا كمسؤولية أخلاقية واجتماعية. يصبح الكرم مشروعًا إعلاميًا، لا فعلًا حقيقيًا، ويصبح المواطن مجرد رقم في الإحصاءات، أو مشهد جانبي في الفيديوهات الرائجة.
هذا النفاق المجتمعي والسياسي له عواقب مباشرة:

• المواطن يفقد ثقته في الدولة وفي أخلاق المجتمع نفسه.
• الفوارق الاجتماعية تتسع، ويستشري شعور الظلم والإقصاء.
• الصورة المشرقة الموجهة للزائر لا تعكس حقيقة المجتمع، ولا تحل أزمة الفقر والجوع.

إن كانت الدولة قادرة على تقديم وجبة للزائر، وتجاهل أبناء الوطن، فهي ليست دولة تحمي مواطنيها، بل آلة لتلميع صورتها على حساب حياتهم. أي خطاب عن الكرم المغربي يصبح حينها مجرد واجهة، خدعة اجتماعية وسياسية، تُسخَّر لإرضاء الخارج على حساب الداخل.

في النهاية، يجب أن يُفهم درس واضح: كرم المواطن يبدأ من داخله ومن الدولة التي تحميه، قبل أن يمتد إلى أي زائر أو ضيف. أي دولة تُظهر الكرم للأجنبي وتترك شعبها يعاني الجوع والفقر، هي دولة عاجزة، وسياساتها فاشلة، ومجتمعها مجروح. أي شعب يُكرم الغريب أكثر من أبنائه، يُعلن بفعل السياسة والاقتصاد أنه لم يعد يعرف قيمه، وأن العدالة الاجتماعية مجرد شعار فارغ على ورق الإعلانات.

الكرم الحقيقي، أيها المسؤولون، ليس مؤقتًا، ولا موسميًا، ولا لصورة على وسائل التواصل الاجتماعي. الكرم الحقيقي هو حماية المواطن، تأمين قوته، وتأمين مستقبله. أما أي كرم آخر فهو مجرد دعاية، واحتفال وهمي بصورتنا أمام العالم، بينما الواقع يصرخ بالعكس.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي