|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
محمد سعد خير الله
2025 / 12 / 28
في الرابع والعشرين من نوفمبر الماضي، وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمرًا تنفيذيًا يوجّه وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الخزانة سكوت بيسنت، بإعداد تقرير حول إمكانية تصنيف بعض فروع جماعة الإخوان المسلمين تلك الموجودة في(( مصر ولبنان والأردن )) كمنظمات "إرهابية"، وذلك وفقًا لبيان صادر عن البيت الأبيض.
وينصّ الأمر على أن يتخذ وزيرا الخارجية والخزانة الإجراءات اللازمة خلال 45 يومًا من تقديم التقرير، في حال تقرّر المضي قدمًا في تصنيف هذه الفروع كـ"منظمات إرهابية أجنبية" أو كـ"إرهابيين عالميين مصنفين بشكل خاص". ويتيح هذا التصنيف للولايات المتحدة اتخاذ إجراءات عقابية، من بينها تجميد الأصول المحتملة داخل الأراضي الأميركية، ومنع دخول الأعضاء المرتبطين بالجماعة، بحسب ما أوردته وكالة فرانس برس.
وللموضوعية، لا يمكن لأي قراءة منصفة لأمر الرئيس الأميركي بشأن جماعة الإخوان المسلمين إلا أن تبدأ بتثمين المبدأ العام الذي ينطلق منه القرار. فالتصدي للجماعات الإسلامية ذات البنية الأيديولوجية العابرة للحدود، والتي راكمت تاريخًا طويلًا من العنف المباشر أو غير المباشر، يُعد خطوة ضرورية، وإن جاءت متأخرة. وجماعة الإخوان المسلمين، بمختلف فروعها وتسمياتها، شكّلت لعقود الرافعة الفكرية والتنظيمية الأهم لمعظم التنظيمات الجهادية والإرهابية التي ضربت الشرق الأوسط وأوروبا.
غير أن الإشكالية لا تكمن في النوايا، بل في الأدوات فالمطبخ الرئاسي الذي يدير هذا الملف يبدو، بوضوح، مفتقرًا إلى الطهاة المناسبين. نحن أمام قضية شديدة التعقيد، تتداخل فيها التنظيمات السرية مع الواجهات القانونية، والعمل الدعوي مع الاستثمار المالي، والعنف الصريح مع الاختراق الناعم للمجتمعات والمؤسسات.
هذا النوع من الملفات لا يُدار بقرارات عامة أو بصيغ فضفاضة، بل يتطلب خبراء متخصصين في بنية الجماعة، وتاريخها، وشبكاتها، وآليات تحايلها القانونية والمالية.
إحدى الثغرات الأوضح في القرار هي خضوعه لمنطق الترضيات السياسية. فالولايات المتحدة، وهي تتحدث عن تجفيف منابع الإخوان في مصر والأردن ولبنان، تتجنب الاقتراب من ملفات أكثر حساسية تتعلق بشركاء إقليميين يتمتعون بنفوذ مباشر على القرار الأميركي في الشرق الأوسط. قطر، على سبيل المثال، ليست مجرد دولة تستضيف قيادات إخوانية، بل مركز مالي وإعلامي وتنظيمي للتنظيم الدولي، ومع ذلك بقيت خارج دائرة الاستهداف. والأمر ذاته ينطبق على تركيا، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ملاذ آمن لقيادات الإخوان، ومركز تنسيق سياسي وإعلامي ومالي لهم.
وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: إذا كان القرار يتناول الإخوان في مصر والأردن ولبنان، فماذا عن الإخوان في قطر وسوريا وليبيا وتركيا واليمن وتونس والمغرب والسودان، وغيرها من الدول التي تُعد بالعشرات حول العالم؟ ماذا عن التنظيم الدولي نفسه؟ أين أعضاء مكتب الإرشاد؟ وأين البنية المركزية التي تدير هذه الفروع جميعًا؟ إن التعامل مع الجماعة بمنطق الأقاليم المنفصلة، لا باعتبارها تنظيمًا واحدًا متعدد الأذرع، يُفرغ القرار من مضمونه ويحوّله إلى خطوة رمزية أكثر منها استراتيجية.
ثغرة أخرى لا تقل خطورة تتعلق بالبعد الزمني. ففترة الـ75 يومًا المخصصة لدراسة القرار قبل خروجه إلى حيّز التنفيذ ليست تفصيلًا إجرائيًا عابرًا، بل تمثل هدية ثمينة لجماعة اشتهرت تاريخيًا بقدرتها على المناورة ونقل الأصول وتغيير الواجهات. هذه المهلة كفيلة بإعادة تسجيل المؤسسات، ونقل الأموال، وتفريغ الحسابات، وتوزيع الأصول بأسماء شخصيات لا علاقة تنظيمية معلنة لها بالجماعة، ما يجعل تطبيق القرار لاحقًا بالغ الصعوبة، أو يفتح الباب واسعًا للطعن فيه أمام المحاكم الأميركية والأوروبية.
وهنا يبرز سؤال التوقيت بوصفه سؤالًا مركزيًا: هل جاء أمر ترامب في اللحظة المناسبة؟ من حيث المبدأ، نعم، فخطر الإخوان لم يتراجع، بل أعاد إنتاج نفسه بأشكال أكثر نعومة وأشد اختراقًا. لكن من حيث الواقع العملي، يبدو القرار متأخرًا زمنيًا؛ إذ يصدر بعد أن راكمت الجماعة خبرة طويلة في التحايل القانوني والمالي، وبعد أن رسّخت حضورها في أوروبا والغرب بوصفها «فاعلًا مدنيًا» لا تنظيمًا أيديولوجيًا. والأسوأ أن هذا التأخير لم يُقابَل بخطة تنفيذية محكمة، بل بآليات تدريجية ومهل زمنية تمنح الجماعة فرصة ذهبية لإعادة التموضع، ما يجعل التوقيت((رغم وجاهته المبدئية مرتبكًا من حيث الأثر والنتائج.))
بل الأخطر من ذلك أن هذه الصيغة تنقل المعركة من إطارها الأمني والسياسي إلى نزاع قانوني طويل الأمد، تُستنزف فيه الدولة الأميركية أمام منظومة قضائية شديدة الحساسية تجاه قضايا الحريات والعمل الأهلي، وهي ساحة تجيد الجماعة اللعب داخلها منذ عقود.
ولا يمكن كذلك تجاهل الغياب شبه الكامل لملف الإخوان في أوروبا عن القرار. فالقارة الأوروبية تمثل اليوم المسرح الأهم لنشاط الجماعة، من الجمعيات الخيرية، إلى المراكز الإسلامية، إلى اللوبيات السياسية والإعلامية. تجاهل هذا الامتداد الأوروبي، أو التعامل معه كملف منفصل، يعكس قصورًا واضحًا في فهم الطبيعة العالمية للتنظيم.
في هذا السياق، تستحق بيانات الإخوان الرافضة لأمر ترامب قراءة متأنية. سواء تلك الصادرة عن جبهة لندن، أو عن تركيا، أو حتى عن ما يُعرف بالكماليين، فإنها تكشف حالة ارتباك متصنّعة تهدف إلى استدعاء خطاب المظلومية، لكنها في الوقت ذاته تعكس ثقة الجماعة بقدرتها على الالتفاف على القرار. لم تكن لغة هذه البيانات لغة تنظيم محاصر، بل لغة كيان يراهن على الثغرات، وعلى الحلفاء، وعلى بطء الإجراءات.
نحن، في النهاية، أمام جماعة أيديولوجيتها المؤسسة قائمة على التكفير والجهاد والأسلمة وسيادة الشريعة، وأحزاب الإسلام السياسي التابعة لها تعمل على هندسة إخضاع العالم بمختلف الوسائل، وصولًا إلى ما تسميه «أستاذية العالم» وإعادة (الخلافة الإسلامية). والتعامل مع هذا المشروع لا يمكن أن ينجح عبر الصفقات أو الترضيات، ولا من خلال قرارات مجتزأة أو مؤجلة. فمحاربة الإخوان لا تكون بخطوات رمزية، بل بتفكيك المنظومة كاملة، دون استثناءات سياسية، ودون مجاملات جيوسياسية، ودون أوهام قانونية.
تنويه: نُشر هذا المقال في نسخته الأصلية باللغة السويدية أمس، السبت الموافق 27 ديسمبر 2025، في صحيفة Bulletin، ويُنشر هنا حصريًا النص العربي منه فقط.
| في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن | حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |