|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

فاتن نور
2025 / 12 / 27
في الدولة الرخوة التي يأكلها الفساد بحرية ونهم، حيث يصبح الأقوى هو الأفسد، ويغدو “النظيف” هو ذاك الذي يُجيد إفراغ الخزانة ليعبق بها الفراغ؛ يصبح كل شيء مُستباحًا ولا حارس له.
الدولة الرخوة تتخبط في كل شيء وأيّ شيء، عدا الاعتداء على كل شيء وأيّ شيء. فلا تمسك عصاها الغليظة بوجه المعتدين، لأنها محكومة أصلًا بطواقم من المعتدين، والمبتزّين، والمرتزقة الذين قصم الجهل ظهورهم، فاعتلوا رأس الهرم السلطوي لاستلاب كل ما تقع عليه أيديهم.
ولا ينحصر هذا الاعتداء بما يمسّ حق المواطن وكرامته فحسب، بل يمتدّ ليطال حقّ الحيوانات في العيش بسلام، وحقّ الطبيعة في أن تُصان من العبث والتدمير. الدولة الرخوة لا تقيم وزنًا للإنسان عادةً، ولذلك لا يُنتظر منها أن تقيم وزنًا للحيوان، أو أن تقتطع من ثرواتها الطائلة المهدورة ولو نتفًا قليلة لإنشاء محميات تُدار بعقلانية ورحمة، تُرعى فيها الكلاب السائبة بدل تحويلها إلى أهداف للقتل الجماعي.
ليس ثمّة حسنات مجزية مقابل الرفق بالحيوان في نواميس الدولة الرخوة المتمسّحة بالدين، ولا مقابل الرفق بالإنسان، ولا الرفق بالطبيعة بوصفها كيانًا حيًا يستحق الحماية والاحترام.
يُترك الإهمال ليعمل بصمت لسنوات طويلة في الدولة الرخوة. تُترك الكلاب السائبة لتتكاثر بحرية في الشوارع والأزقة الضيقة حتى تتفاقم أعدادها بشكل كبير. عندها فقط، ترفع الدولة عِصيّها الغليظة، وسمومها، وأسلحتها، لا لمحاسبة جهاتها المقصّرة، بل للقصاص من حيوانات بريئة تصرّفت وفق فطرتها السليمة، فكان جزاؤها المطاردة والتعنيف والقتل، في مشهد يُقدَّم بوصفه إنجازًا إداريًا يستحق الفخر، ويفتخر به فعلًا المرتخون تحت سقف دولة أسرفت في رخاوتها.
وغالبًا ما يُسوَّغ قتل الكلاب السائبة بذريعة “الضرورة”، مع أن الضرورة لا تستوجب الاعتداء على عشرات الآلاف من الكلاب بوجود البدائل التي يمكن تأمينها بأوقات قياسية.
ولا أدري حقيقةً كيف يُسوَّغ صيد طائر الفلامنجو، الذي يفضح منطق الاعتداء عاريًا من أي تبرير. فلا خطر يُدفع هنا، ولا تهديد يُدرأ؛ فالفلامنجو طائر أعزل يهاجر في فصل الشتاء بحثًا عن الماء والسكينة، فتستقبله الدولة الرخوة بالرصاص. علمًا أن الدولة الرخوة لديها وزارة بيئة مسؤولة عن تلك الرخاوة التي تصفع الذاكرة البيئية للأهوار وتحيل كل شيء إلى غنيمة مباحة.
صيد الفلامنجو ليس حادثة معزولة، بل امتداد طبيعي للمنطق ذاته الذي يعتدي على الإنسان، ثم على الحيوان، ثم على الطبيعة، في دولة وصلت رخاوتها إلى حدّ لا تعترف فيه بفكرة الحق أصلًا خارج الهرم السلطوي، أيًّا كان صاحب هذا الحق خارج أقبية السلطة. فالدولة الرخوة هي دولة أسياد وعبيد، وإملاءات ليس إلا.
هل تعلم وزارة البيئة والقيمون على رخاوتها أن صيد الفلامنجو يخلّ بالتوازن البيئيّ الدقيق في مناطق الأهوار والمسطحات المائية؟ فهذا الطائر الجميل يساهم في ضبط الحياة المائية من خلال تغذّيه على الكائنات الدقيقة والطحالب، فهو جزء مهم من منظومة طبيعية، كونه يحافظ بهجرته السنوية على التوازن الحيوي والتنوع الأحيائي ويحد من التدهور البيئي في المناطق التي يحطّ فيها. والأجدى أن يُستقبل هذا الطائر بحفاوة تليق به، وأن يُحتفى بوصوله عبر كرنفال راقص (كرنفال الفلامنجو)، لا سيّما أن الدولة الرخوة بحاجة ماسّة إلى مثل هذه الكرنفالات التي تشيع ثقافة الحياة والبهجة. بعد ان نخرتها ثقافة الموت.
مما لا شك فيه أن وراء كل رصاصة تُطلق على الفلامنجو يقف فساد سياسي ممنهج يغطي على الاعتداء ويشرّع له. في الدولة التي لا تحاسب المعتدين على مواردها يصبح صيد الطيور المهاجرة فيها نشاطًا عاديًا يُمارس تحت الشمس بلا رادع، بينما تُهدَر الموازنات المخصصة للحماية البيئية أو تُحوَّل إلى مشاريع تجارية لتحقيق منافع شخصية، فلا حماية بيئية، ولا مساءلة، ولا رؤية مستقبلية.
لا يمكن الفصل بين الاعتداء البيئي وفساد السلطة واعتدائها على كل شيء؛ حتى السكوت هو اعتداء خطير في هذه الحالة. وهكذا يصبح قتل الفلامنجو فصلًا آخر من فصول انهيار منظومة القيم والمساءلة في البلاد، حيث لا يُحترم الإنسان، ولا الحيوان، ولا الطبيعة، في انسجام كامل مع منطق الدولة الرخوة.
December 27, 2025
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |