الإشادة بالملاعب المغربية: شهادات عابرة للحدود أم محتوى موجه؟

فريد بوكاس
2025 / 12 / 27

ألمانيا: فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي


خلال الأشهر الأخيرة، انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي، خصوصًا “تيك توك” و“يوتيوب” و“فيسبوك”، مقاطع فيديو لمؤثرين وصناع محتوى يشيدون بالمغرب، من حيث حسن الضيافة، والبنية التحتية الرياضية، وجودة الملاعب، والتنظيم، بل وحتى تفاصيل الحياة اليومية في بعض المدن المغربية. اللافت في هذه المقاطع ليس مضمونها فقط، بل اللهجة المستعملة، إذ يظهر أصحابها وهم يتحدثون باللهجة الجزائرية، ويقدّمون أنفسهم على أنهم زوار أو مشجعون جزائريون.

هذا الانتشار الواسع فتح بابًا للنقاش والتساؤل:

هل هذه الفيديوهات تعكس فعلاً آراء زوار جزائريين حقيقيين؟ أم أن بعضها يُنتَج من طرف مغاربة يستعملون اللهجة الجزائرية؟ أم أننا أمام خليط معقّد من الظاهرتين، تحكمه منطق المنصات الرقمية؟


سياق سياسي وإعلامي خاص

لفهم هذه الظاهرة، لا بد من وضعها في سياقها الإقليمي. فالعلاقات المغربية–الجزائرية تعرف توترًا سياسيًا ممتدًا، انعكس بوضوح على الخطاب الإعلامي وعلى الرأي العام في البلدين. هذا الواقع جعل أي خطاب إيجابي صادر من طرف يُفترض أنه جزائري تجاه المغرب محط تشكيك فوري، خاصة في الفضاء الرقمي، حيث تسود القراءات السياسية السريعة.
في المقابل، يشهد المغرب منذ سنوات استثمارات متواصلة في البنية التحتية الرياضية، ضمن استعدادات لاستضافة تظاهرات قارية ودولية، ما جعل الملاعب المغربية محل اهتمام إعلامي إقليمي ودولي.


الفرضية الأولى: زوار جزائريون وتجارب شخصية حقيقية

الفرضية الأولى تفترض أن عددًا مهمًا من هذه الفيديوهات يعود بالفعل إلى جزائريين حقيقيين، سواء:
• من الجالية الجزائرية المقيمة في الخارج،
• أو من مشجعين حضروا مباريات في المغرب،
• أو من صناع محتوى اختاروا توثيق تجاربهم دون خلفيات سياسية.
أصحاب هذا الرأي يرون أن:
• الإعجاب بالبنية التحتية أو حسن الاستقبال لا يعني تبني موقف سياسي.
• التجارب الفردية لا ينبغي اختزالها في الصراع بين الدول.
• الفضاء الرقمي يتيح للأفراد التعبير الحر، بعيدًا عن الخطاب الرسمي.
من هذا المنظور، فإن جزءًا من المحتوى المتداول قد يكون ببساطة تعبيرًا عفويًا عن تجربة واقعية.


الفرضية الثانية: تقمّص اللهجة وصناعة محتوى موجّه

في المقابل، يطرح بعض المتابعين فرضية أن بعض المقاطع قد تكون من إنتاج مغاربة يتحدثون أو يقلدون اللهجة الجزائرية، بهدف:
• تحقيق انتشار أوسع،
• الاستفادة من الجدل القائم،
• أو تعزيز صورة المغرب بأسلوب غير مباشر.
ويستند هذا الطرح إلى:
• ملاحظات لغوية حول عدم دقة اللهجة في بعض المقاطع،
• غياب معلومات واضحة عن هوية صناع المحتوى،
• تشابه في الأسلوب والخطاب بين عدد من الفيديوهات.
غير أن هذا الاحتمال، رغم تداوله، يبقى غير قابل للتعميم، ولا يمكن اعتباره قاعدة دون أدلة ملموسة.


إشادة إعلاميين جزائريين على قنوات رسمية: معطى جديد

ما يضيف عنصرًا مهمًا إلى هذا النقاش هو صدور إشادات علنية بالبنية التحتية للملاعب المغربية من طرف إعلاميين وصحفيين جزائريين عبر قنوات تلفزيونية جزائرية رسمية، خاصة أثناء تغطيات رياضية أو نقاشات متعلقة بتنظيم المنافسات القارية.
في هذه الحالات:
• لم يكن الحديث عبر منصات التواصل الاجتماعي،
• ولم يصدر عن مؤثرين أفراد،
• بل جاء في سياق مهني، وعلى شاشات رسمية، وبخطاب تقني يركّز على جودة الملاعب، العشب، التنظيم، والمرافق.
هذا المعطى يُضعف جزئيًا فرضية “الترويج المموّه” الشامل، إذ إن الإشادة هنا:
• موثقة،
• صادرة عن وجوه إعلامية معروفة،
• ومقدمة لجمهور جزائري واسع داخل إطار إعلامي رسمي.
في المقابل، يرى مراقبون أن هذه الإشادات قد تندرج ضمن:
• المهنية الإعلامية في التغطية الرياضية،
• أو المقارنة التقنية بين البنى التحتية،
• دون أن تعكس بالضرورة موقفًا سياسيًا أو تحوّلًا في الخطاب العام.


اقتصاد المنصات والخوارزميات

بعيدًا عن سؤال الهوية، تبرز قراءة ثالثة تعتبر أن جوهر الظاهرة مرتبط بـمنطق الخوارزميات. فالمحتوى الذي يجمع بين:
• اللهجة،
• الحساسية السياسية،
• الإشادة غير المتوقعة،
يحظى بتفاعل أعلى، ما يدفع المنصات إلى تضخيمه وانتشاره، بغض النظر عن دقته أو خلفياته.
في هذا السياق:
• قد يتعمد بعض صناع المحتوى اختيار لهجة معينة لجذب الانتباه.
• وقد يتم تداول مقاطع محددة بكثافة لأنها تخالف التوقعات السائدة.
• وقد يُعاد تأويل المحتوى مرات متعددة، بما يتجاوز نية صاحبه الأصلية.


بين الواقع الرقمي والواقع الميداني

ما يمكن التأكيد عليه هو أن الفضاء الرقمي لا يعكس دائمًا الواقع بدقة. فليس كل محتوى إيجابي موجَّه، وليس كل تشكيك مبررًا. كما أن وجود إشادات إعلامية رسمية يبيّن أن تقييم البنية التحتية الرياضية يمكن أن يتم بمعزل عن الخلافات السياسية.


الحاجة إلى مقاربة هادئة
في النهاية، لا يبدو أن هناك إجابة واحدة قاطعة. فالمشهد مركّب:
• بعض الفيديوهات تعكس تجارب حقيقية،
• بعضها قد يكون مدفوعًا بمنطق الانتشار،
• وبعضها يُضخَّم بفعل الخوارزميات.

أما إشادة الإعلاميين الجزائريين على قنوات رسمية، فهي معطى مهم يدعو إلى التمييز بين الرأي المهني والخطاب السياسي، وبين التجربة الفردية وصناعة المحتوى.
وفي زمن تُدار فيه النقاشات بالصورة السريعة والانطباع الأول، تظل القراءة النقدية المتأنية هي السبيل الوحيد لفهم ما نراه… دون تهويل، ودون إنكار.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي