حتى لا يحتقركم شعبكم !

عزالدين بوغانمي
2025 / 12 / 27

من الأمور التي يتعيّن على أيّ مُعارضة تفاديها، لكي تستعيد ثقة شعب مُتعلّم وعنيد وبليد.

شوفو، الرئيس الفرنسي ماكرون في أوت 2017 بعث مؤسسة حكومية جديدة إسمها "المجلس الرئاسي من أجل أفريقيا" CPA.

المجلس هذا ما تأسّسش في سياق مراجعة نقدية للإرث الاستعماري، الذي خلّفته فرنسا في أفريقيا، ومنها تونس. وإنما تأسس كردّ فعل الدولة الفرنسية على تصدّع منظومة هيمنتها التقليدية، وعلى نهوض إفريقي متسارع بدأ يخرج من دائرة الصمت والخضوع، ويضع الاستعمار القديم والجديد في قفص الاتهام التاريخي والأخلاقي. وفي لحظة بدأت فيها فرنسا تفقد مواقعها واحدًا تلو الآخر في غرب ووسط أفريقيا، ما كرّس تراجع نفوذها العسكري، وانكشاف شبكات نهب اقتصادي سرّية، وارتفاع منسوب الوعي الشعبي عند الأفارقة، خاصة الأجيال الشابة التي لم تعد ترى في الخطاب الفرنكفوني سوى قناع ثقافي لنهب منظّم ولإذلال تاريخي متواصل.

باختصار المجلس هذا ارتبط مباشرة بتغيّر البيئة الدولية والدخول المكثف لقوى جديدة مثل الصين وروسيا، الأمر الذي هدّد بكسر احتكار فرنسا للنفوذ في إفريقيا، وفتح أمام دولها وشعوبها هوامش مناورة للتخلص من الفرنسيين. يعني المجلس وُلِد كمحاولة فرنسية لإعادة ترتيب أدوات السيطرة بعد أن تهاوت الأساليب القديمة. فهو، بهذا المعنى، جهاز إنذار استباقي متقدّم جدّا داخل الإدارة الفرنسية، يهدف إلى احتواء الغضب الإفريقي المتراكم، والمتفاقم في السنوات الأخيرة، وإعادة تسويق النفوذ بواجهات ناعمة، وتحسين صورة فرنسا المهترئة، وفتح قنوات اتصال انتقائية مع نخب مدنية وشبابية، وضخّ الأموال عن طريق جمعيات معينة، لِتحويل مطلب التحرر والسيادة إلى نقاشات تقنية حول "الابتكار" و"ريادة الأعمال" و"التنمية المستدامة"،،، إلى غير ذلك من ضروب التضليل والتعويم، وكأن المشكلة الإفريقية مشكلة إدارة وحوكمة فقط، وليست مأساة ناجمة عن قرون من السلب والتدمير والقتل والاستعباد واستنزاف الموارد الطبيعية.

الحاصيلو، الفريق الذي يقود المجلس، هو جزء من جهاز الدولة، هدفه الأول والأخير حماية منظومة النّهب التقليدية، عبر إعادة تكييفها حسب المعطيات وموازين القوى الجديدة، وتثبيتها بما يسمح بالتصدي لمسألة مطالبة شعوب إفريقيا بالاعتراف بالجرائم الاستعمارية والتعويض عنها، فهذا، كما هو معلوم، خط أحمر ثابت في العقيدة الاستعمارية.
باختصار، المجلس في النهاية عبارة عن جدار واقي للاستعمار، خصوصًا في تهرّبه من أي اعتراف قانوني يمكن أن يفتح باب المساءلة والمطالبات بالتعويض من سائر الدول التي عانت من نير الاستعمار مدة قرون. وبالفعل فلقد استبق المجلس صعود أنظمة سيادية في مالي وبوركينا-فاسو والنيجر وغيرها، أنظمة عبّرت، بدرجات متفاوتة، عن إرادة شعبية رافضة للوصاية الفرنسية، ومطالبة باستعادة القرار الوطني، ومصمّمة على طرد القوات الفرنسية وإعادة التفاوض حول الثروات المنهوبة.

المهم من أجل هذه المهام التي أشرت إليها أعلاه، وُجِد هذا المجلس أصلًا، باعتباره أداة لإبعاد هذا الملف عن مركز الصراع، وتحويله إلى هوامش ثقافية غايتها طمس ذاكرة استعمارية دامية، وكسر إرادة شعوب إفريقيا التي سئمت النهب والإذلال.

لماذا عرّفت بهذا المجلس الآن بالذات؟

لأُن السيدة "سارّة التّومي" (فرنسية من أصل تونسي)، نشرت اليوم 26 ديسمبر 2026 مقالا في جريدة "لوفيڨارو" بعنوان "الاتفاق الأمني الموقع مع الجزائر يضعف الموقف الوطني لقيس سعيّد". وافتتحت المقال بالفقرة التالية: "وفقًا لوثائق تم الكشف عنها في الجزائر، فإن قيس سعيّد، الذي يتهم معارضيه بأنهم تابعون للأجانب، يكون قد وضع بلاده في موقف ضعف مقارنة بجارتها القوية."
وطبعا في إطار حقّها في البكاء على الديمقراطية في تونس، تعيد سرد خرافة "حق الجيش الجزائري في التدخل في التراب التونسي بمسافة خمسين كيلومترًا "... الخ

طيّب، وما علاقة الشعب العنيد والمعارضة الذكية، بهذه السيدة وقضية النفوذ الفرنسي في إفريقيا؟

الجواب ببساطة، السيدة "سارة التومي" صاحبة المقال، هي عضو أساسي في مجلس الرئاسة الفرنسي الخاص بإفريقيا CPA

ومنذ قليل رأيتُ مقالها منشورا على صفحة أحد الرفاق اليساريين الرّاديكاليين، فأردت أن أنبّهه، وأنبّه بقية الأصدقاء في المعارضة حتى لا يكرههم الشّعب.

وما العبد الفقير إلا فاعل خير على هُدى ما قال الإمام علي:
"اِفعلِ الخيرَ، وَلْيَقَعْ حيث يَقَعْ. فإن وقع عند أهلهِ، فَهُمْ أَهْلُهُ. وإنْ وقع عند غيْرِ أَهلِهِ، فأنتَ أَهْلُهُ".

والسلام

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن