اتهام بلا تقادم: المغرب ومحاكمة الرأي في زمن الواجهة الحقوقية

فريد بوكاس
2025 / 12 / 26

ألمانيا: فريد بوكاس، صحفي باحث و ناشط سياسي


نكتب هذا النص لا بوصفه رأيًا، ولا موقفًا عابرًا، بل بوصفه شهادة اتهام موجّهة إلى التاريخ، الذي لا يُصفّق، ولا ينسى، ولا يقبل الروايات الرسمية كحقائق نهائية. نكتبه لأن الصمت صار مشاركة، ولأن التكرار المستمر للاعتقال السياسي لم يعد قابلاً للتأويل أو التبرير.


إن الدولة المغربية، بمؤسساتها التنفيذية والقضائية والأمنية، تتحمّل مسؤولية تاريخية مباشرة عن ترسيخ نظام يعاقب الرأي، ويُجرّم التعبير، ويحوّل الخلاف السياسي إلى ملف جنائي.


أولًا: في نية الحكم لا في أخطائه

ما يجري في المغرب ليس سلسلة أخطاء، ولا انزلاقات عرضية، بل سياسة قائمة بذاتها. الاعتقال السياسي لم يكن يومًا نتيجة فراغ قانوني، بل نتيجة قرار سيادي واضح: ضبط المجال العام بالقوة، وتجفيف السياسة، وتحويل الدولة من فضاء مشترك إلى جهاز ضبط ومراقبة.
منذ ما سُمّي بمرحلة “الإنصاف والمصالحة”، لم تُفكك بنية القمع، بل جرى تحصينها قانونيًا ومؤسساتيًا. لم تتم محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ولم تُقدَّم ضمانات حقيقية لعدم التكرار. بذلك، تكون الدولة قد اختارت الاستمرارية بدل القطيعة، والإدارة الأمنية بدل التحول الديمقراطي.


ثانيًا: في تجريم المجتمع حين يطالب بحقوقه

تُدين هذه الشهادة الدولة المغربية بسبب تعاملها العدائي مع المجتمع كلما طالب بحقوقه. حراك 20 فبراير، حراك الريف، احتجاجات جرادة وزاكورة ومناطق الهامش، لم تكن مؤامرات ولا تهديدات للوطن، بل تعبيرات سلمية عن أزمة اجتماعية وسياسية عميقة.
لكن ردّ الدولة كان ثابتًا ومتكررًا:
التشكيك → التشويه → الاعتقال → الأحكام القاسية.
إن الأحكام الثقيلة في حق نشطاء اجتماعيين، وعلى رأسهم ناصر الزفزافي ورفاقه، تُشكّل دليل إدانة تاريخي على أن السلطة اختارت العقاب بدل الإصلاح، والردع بدل الحل، والسجن بدل السياسة.


ثالثًا: في تحويل الكلمة إلى خطر أمني

تُدين هذه الوثيقة الدولة المغربية لأنها حوّلت الرأي إلى جريمة. فالمدونون، والصحفيون، وكتاب الرأي، لم يُلاحَقوا بسبب أفعال عنيفة، بل بسبب كلمات مكتوبة أو مواقف معلنة.
قضية سعيدة العلمي ليست حالة فردية، بل نموذجًا مكثفًا: مواطنة تُسجن بسبب تعبيرها عن رأي سياسي، تُفرج عنها بعد قضاء العقوبة، ثم تُعاد إلى السجن لأنها واصلت الكلام. هذا السلوك لا يمكن تفسيره بالقانون، بل فقط بالانتقام السياسي.
إن الدولة التي تعاقب مواطنيها لأنهم لم يصمتوا، تُعلن عمليًا أن الصمت شرط للمواطنة.


رابعًا: في إفساد القضاء وتحويله إلى أداة

تُحمِّل هذه الشهادة الدولة مسؤولية إفراغ القضاء من جوهره في القضايا السياسية. فالقضاء، بدل أن يكون ضمانة، صار وسيلة. بدل أن يحمي الحقوق، بات يُستعمل لتجريمها.
المحاكمات السياسية في المغرب لا تُبنى على البحث عن الحقيقة، بل على إنتاج الإدانة. والتهم تُفصّل بما يخدم النتيجة المطلوبة. هذا لا يُسيء فقط إلى المتابعين، بل إلى فكرة العدالة نفسها.


خامسًا: في السجن كفضاء إذلال

تُدين هذه الوثيقة الدولة بسبب الانتهاكات داخل السجون، وبسبب غياب المحاسبة عن سوء المعاملة، والإهانات، والعنف النفسي والجسدي. فالدولة مسؤولة، قانونيًا وأخلاقيًا، عن كل ما يجري داخل مؤسساتها.
السجن في المغرب، في القضايا السياسية، ليس عقوبة فقط، بل أداة كسر وإخضاع. وهذه الممارسة، مهما أُخفيت، ستبقى وصمة في السجل التاريخي للدولة.


سادسًا: في ازدواجية الخطاب والخداع الدولي

تُسجَّل على الدولة المغربية ازدواجية ممنهجة: خطاب حقوقي في الخارج، وقمعي في الداخل. توقيع على المواثيق الدولية، يقابله انتهاك يومي لها. هذا السلوك لا يُعدّ دبلوماسية، بل خداعًا سياسيًا منظمًا.
تنظيم التظاهرات الرياضية الكبرى، وبناء صورة “الاستقرار”، لا يُلغي حقيقة وجود معتقلين سياسيين، ولا يمحو مسؤولية الدولة عن خنق الحريات.


حكم التاريخ لا يسقط بالتقادم

إن هذه الشهادة تُوجَّه إلى التاريخ، لا إلى المحاكم الخاضعة، ولا إلى الإعلام الرسمي. والتاريخ لا يقبل التبريرات، ولا يُخدَع بالواجهات.
ـ الدولة التي تُجرّم الرأي،
ـ والسلطة التي تخاف من الكلمة،
ـ والنظام الذي يعاقب الاختلاف.

. تُدان، لا سياسيًا فقط، بل أخلاقيًا وتاريخيًا.
. قد تربح السلطة معركة الصمت مؤقتًا، لكنها تخسر حكم التاريخ دائمًا.
. والدول لا تُقاس بما تقوله عن نفسها، بل بما فعلته بمواطنيها.
وهذا الاتهام باقٍ، إلى أن يُفتح الأرشيف، وتُستعاد الذاكرة، ويُسمّى القمع باسمه الحقيقي.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي