|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

الهيموت عبدالسلام
2025 / 12 / 26
الغريب في الأمر أن الفيضان الذي ضرب واد الشعبة بآسفي والذي خلف الكثير من الأرواح والخسائر ، هو نفس الواد الذي ضربه فيضان في القرن 17 وذلك سنة 1674 بعد صلاة عشاء دخل الفيضان باب الشعبة ،الباب التاريخي بمحيط المدينة القديمة ، وغمرت المياه المنازل والبنايات ودفعت السكان إلى الهروب في رعب و هلع، و ارتفعت المياه مثل أمواج البحر وجرفت المحلات والسوق وكل ما وجدت في طريقها.
نفس الواد بين سنتي 1790 و1791 ضربته ليلا عاصفة مطرية عنيفة أدت إلى فيضان هائل، اجتاحت باب الشعبة والمدينة بينما كان الناس نيام ،هدم الأبنية، وجرف الأبواب، وأتلف السلع داخل المحلات، وأسفر عن مئات القتلى.
ليس هذا وحسب وقد عرف واد الشعبة فيضانات سنوات 1803 و 1826 و1855 و 1902 و 1927 فانهار جزء من السور البرتغالي قرب باب الشعبة بفعل تجمع المياه، وغمر المدينة القديمة وغرقت البيوت والمحلات والمتاجر والمساجد والزاوية الناصرية وجرف الخيول ، وفُقد مئات الأشخاص حسب شهادات تلك الفترة . ونفس الكارثة حصلت وفي الشهر الجاري 14 دجنبر 2025 و لا زال سكان مدينة آسفي تحت هول الرعب و الصدمة وفقدان الأقارب وضياع ممتلكاتهم، وكأن الزمن توقف أو أننا لا زلنا في القرن 17 ،السؤال لماذا يتكرر هذا الفيضان مع وجود وزارة الداخلية ووزارة التجهيز وكالات الأحواض المائية والعمالة والمجلس البلدي والوقاية المدنية والأقمار الصناعية والأرصاد الجوية والإنذار المبكر ولجان اليقظة وكذلك الإطار القانوني 36-15 لتنفيذ استراتيجيات الوقاية والتدبير للموارد المائية والمخاطر المرتبطة بها؟
ولأن المقارنة شرط ففي ألمانيا مثلا هناك ثلاتة أطراف فقط مكلفة بالفيضانات وهي الهيئة الفيدرالية للحماية المدنية وإدارة الكوارث، وهيئة الأرصاد الجوية الفيدرالية، و وكالات المياه، فلا تسمع عن كوارث وعن كثرة اللجان والهيئات وعن تداخل المصالح ولا عن فيضانات تتكرر كل سنة .
هولندا البلد الذي يعيش تحت مستوى البحر، حوالي 26% من أراضي هولندا تقع تحت مستوى سطح البحر ، و قرابة 60% من السكان يعيشون في مناطق مهددة بالفيضانات ، و هولندا لا تعيش فقط فيضانات موسمية بل مهددة أن تغرق كلها في الماء وأن تزول جغرافيا ، ولكن هولندا تعاملت مع الماء كعدو استراتيجي يجب التحكم فيه وليس قضاء وقدرا، وجعلت الماء قضية سيادة وطنية، وإدارة الفيضانات ليس شأنا محليا أو قطاعيا فأنشأت لهذا الغرض وزارة البنية التحتية والماء، ومجالس المياه وهي هيئات تقنية و مستقلة، وأصبح لهولندا أعظم منظومة حماية من الفيضانات في العالم ، سدود، حواجز بحرية متحركة، قنوات تصريف عملاقة، أنفاق كبيرة لتخزين المياه وتصريفها للمناطق الزراعية والمساحات الخضراء بدل دخولها المدن ولم تعد تسمع عن فيضانات كارثية لهولندا .
اليابان بلد الفيضانات و الزلازل والأعاصير، تتوفر اليابان على جهة واحدة لإدارة الكوارث وهي وزارة الأراضي والبنى التحتية، والبلديات ولها أدوار تقنية ، طرف واحد لتتضح المسؤولية، العمل بالتخطيط قبل الكارثة وليس بعدها، خرائط الفيضانات تُرسم قبل البناء ،يمنع البناء قانونا في مجرى السيول والأنهار ، التقنية في خدمة القرار وليس العكس ، الرصد الجوي يشتغل أوتوماتيكيا ، الإنذار يؤدي إلى الإ خلاء الإجباري وليس البلاغات المطمئنة وتصارب المسؤوليات وكثرة المتدخلين.
المفارقة الكبيرة أن الدول التي تتمتع بنظام عالي للحماية ضد كوارث الفيضانات هي دول تسقط بها أمطار كبيرة ، سنغافورة مثلا جزيرة ذات مناخ استوائي رطب ،تسقط الأمطار صيفا وشتاء 167 يوما في السنة، والمتوسط السنوي للأمطار التي تسقط بها تصل إلى 2534 مم ، في كوريا الجنوبية 1274 مم ، في اليابان ذات المواسم الغزيرة للأمطار والإعصارات الصيفية 1700 مم ، ألمانيا تصل إلى 860 مم وبعض المناطق تصل 1000 مم ، هولندا 800 مم ،أما المغرب الذي تتكرر فيها كوارث الفيضانات فلا يتجاوز المتوسط السنوي 350 مم .
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |