غزة بين الفراغ الأمني واقتصاد الغاز: قراءة في منطق الثروة المؤجَّلة

ليث الجادر
2025 / 12 / 26

لا يمكن قراءة ما يجري في غزة بوصفه صراعًا عسكريًا محضًا، ولا باعتباره أزمة إنسانية منفصلة عن سياقها الجيو-اقتصادي الأوسع. فالحرب، والفوضى، وغياب الأفق السياسي ليست سوى السطح المرئي لبنية أعمق تُدار بمنطق الاقتصاد السياسي للطاقة، حيث تتحول الجغرافيا إلى مخزن ثروة، والإنسان إلى عنصر تعطيل مؤقت في معادلة مؤجَّلة.
في هذا السياق، لا تبدو غزة أرضًا متنازعًا عليها بقدر ما تبدو حيزًا معطَّل السيادة فوق احتياطي غازي استثنائي، يُقدَّر بنحو تريليون متر مكعب، وهو رقم كافٍ وحده لإعادة تفسير كل ما يُسمّى «فشلًا أمنيًا» أو «انسدادًا سياسيًا».

أولًا: الغاز كمرجعية خفية للصراع

يمثل حقل غزة البحري أحد أكبر الاحتياطيات غير المستغلة في شرق المتوسط. غير أن هذا المعطى، بدل أن يتحول إلى رافعة سيادية أو اقتصادية للفلسطينيين، جرى تحويله إلى سبب ضمني لتعليق السيادة ذاتها.
منذ مطلع الألفية، أُعيد رسم المجال البحري الفلسطيني فعليًا، ليس عبر اتفاقيات معلنة، بل عبر وقائع أمنية وقانونية فرضتها إسرائيل، بالتوازي مع تطويرها لحقولها الخاصة مثل «تمار» و«ليفياثان». وبهذا المعنى، لم تُصادر غزة بحرها مرة واحدة، بل جرى تفريغه سياسيًا قبل أن يُستثمر اقتصاديًا.
المعادلة التي تحكم هذا المسار بسيطة وقاسية:
الغاز موجود، لكن استخراجه مؤجل؛
والسيادة مؤجلة، لأن الغاز موجود.

ثانيًا: الفراغ السيادي كأداة اقتصادية

ما يُوصَف عادة بـ«الفوضى الأمنية» في غزة لا يعمل ضد المصالح الإسرائيلية كما يُشاع، بل يُعيد إنتاجها في صيغة أكثر كفاءة. فالفراغ السيادي يمنع نشوء أي طرف فلسطيني قادر على التفاوض، ويُبقي ملف الغاز خارج أي إطار تعاقدي ملزم.
في الوقت ذاته، يؤدي هذا الفراغ إلى تعطيل مشاريع الإعمار الكبرى، خصوصًا تلك التي تقودها دول خليجية مثل السعودية والإمارات. فغياب الاستقرار لا يؤجل الإعمار فحسب، بل يمنع إنشاء بنية تحتية بحرية—موانئ، خطوط تصدير، محطات تسييل—قد تمنح غزة، ولو نظريًا، هامشًا من الاستقلال الاقتصادي.
بهذا المعنى، تتحول الفصائل، عن قصد أو بدونه، إلى حارس غير مباشر لاقتصاد غازي لا تملكه، لكنها تمنع الآخرين من الاقتراب منه.

ثالثًا: الإعمار كواجهة لصراع النفوذ

تُقدَّر كلفة إعادة إعمار غزة بنحو تسعين مليار دولار، وهو رقم يُقدَّم إعلاميًا باعتباره التحدي الأكبر. غير أن هذا الرقم يبدو متواضعًا حين يُقارَن بالقيمة السوقية المحتملة لغاز غزة، التي قد تتجاوز خمسمئة مليار دولار.
هنا، لا يعود الإعمار فعلًا إنسانيًا صرفًا، بل مدخلًا للسيطرة الاقتصادية المستقبلية. فكل طرف يسعى للإعمار يفعل ذلك بوصفه استثمارًا مؤجل العائد، مرتبطًا بإمكانية الوصول لاحقًا إلى الطاقة.
ولهذا تحديدًا، تُواجَه المبادرات الإماراتية بالتعطيل، وتُدفع الصين إلى الواجهة بوصفها «بديلًا محايدًا»، رغم أن حضورها لا يتم إلا ضمن شروط أمنية إسرائيلية صارمة، تجعل من نفوذها الاقتصادي امتدادًا غير مباشر للترتيب القائم.

رابعًا: تعدد اللاعبين… ووحدة السقف

في مشهد يبدو متشعبًا، تتوزع الأدوار بوضوح:
إسرائيل تحتفظ بالسيطرة البحرية، وتُراكم الوقت بانتظار لحظة «الاستقرار الكامل»، أي لحظة انتفاء الشريك الفلسطيني.
الإمارات تحاول الدخول عبر بوابة الإعمار والطاقة، لكنها تصطدم بجدار الفوضى.
الصين ترى في غزة نقطة ارتكاز بحرية ضمن مشروعها العالمي، لكنها تقبل اللعب داخل الهامش المرسوم.
قطر تُستبعد من ملف الغاز، فتُعوِّض ذلك بدور سياسي-تفاوضي، يحفظ لها نفوذًا دون صدام مباشر مع إسرائيل.
ورغم هذا التعدد، يبقى السقف واحدًا: لا غاز فلسطيني خارج السيطرة الإسرائيلية.

خاتمة: غزة كنموذج لرأسمالية التعليق

ما يجري في غزة ليس صراعًا على الأرض فقط، بل على زمن الثروة. فالثروة موجودة، لكن استخراجها مؤجل؛ والإعمار ممكن، لكنه معلق؛ والسيادة مطلوبة، لكنها مؤجلة إلى أجل غير مسمى.
هكذا تتحول غزة إلى نموذج مكتمل لما يمكن تسميته «رأسمالية التعليق»:
اقتصاد ضخم معطَّل،
وسيادة مؤجلة،
وحرب تؤدي وظيفة اقتصادية بقدر ما تؤدي وظيفة أمنية.
السؤال، إذن، لم يعد إن كانت غزة ستُعمَّر، بل لصالح من سيُرفع عنها التعليق عندما يحين الوقت:
هل تصبح رافعة طاقة في شرق المتوسط،
أم تبقى أرضًا محروقة تحرس ثروة لا يُسمح لها بامتلاكها؟

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي