الدولة التونسية و تغوًل رأس المال : حين تختبر الديمقراطية اجتماعياً

البشير عبيد
2025 / 12 / 25

الدولة التونسية في مواجهة تغوّل رأس المال: حين تُختبر الديمقراطية اجتماعيًا

البشير عبيد - تونس

تُختبر الدول، في لحظات التحوّل العميق، لا بوفرة الخطاب ولا بكثرة الشعارات، بل بقدرتها على حماية معناها ووظيفتها التاريخية. وفي الحالة التونسية، لا يتمثل التحدي الجوهري في شكل النظام السياسي أو في هندسة المؤسسات بقدر ما يكمن في صراع صامت وطويل النفس بين مشروع دولة يُفترض أن يحمل أفقًا ديمقراطيًا واجتماعيًا، وبين قوى رأس مال متشابكة راكمت نفوذها خارج منطق الدولة، وتسعى إلى إعادة تشكيل المجالين الاقتصادي والاجتماعي وفق مصالحها الخاصة.
لقد تشكّل في تونس، عبر عقود، نموذج اقتصادي هش، سمح بتغلغل المال الكبير في قطاعات استراتيجية دون رقابة فعلية أو مساءلة صارمة. ولم يكن هذا التغلغل نتيجة طبيعية لقوة السوق وحدها، بل ثمرة تضافر عوامل متعددة: ضعف الدولة في لحظات مفصلية، هشاشة الإطار القانوني، وتواطؤ جزء من النخب الإدارية والسياسية. وبهذا المعنى، لم يعد المال مجرد فاعل اقتصادي، بل تحوّل إلى قوة بنيوية قادرة على تعطيل الإصلاحات، وإعادة توجيه السياسات العمومية بما يخدم مصالح ضيقة.
نشأت، في هذا السياق، شبكات مصالح مركّبة، لا تنتمي كليًا إلى الدولة ولا تقف خارجها تمامًا، لكنها تتحرك في المساحات الرمادية التي تفصل بين القانون واللا-قانون. هذه الشبكات لا تحتاج إلى إعلان نفوذها، إذ يكفيها أن تُضعف الدولة من الداخل، وأن تحوّل مؤسساتها إلى هياكل إجرائية فاقدة للقدرة على الفعل والردع.
الدولة الديمقراطية، في معناها العميق، لا تُقاس فقط بحرية التعبير أو بتداول السلطة، بل بقدرتها على فرض سيادة القانون على الجميع دون استثناء، وبحمايتها لمبدأ العدالة الاجتماعية باعتباره جوهر العقد بين الدولة ومواطنيها. وحين يصبح المال الكبير بمنأى عن المحاسبة، تتحول الديمقراطية إلى بنية شكلية تُدار داخلها الاختلالات بدل أن تُعالَج، ويُفرَّغ المشروع الديمقراطي من مضمونه الاجتماعي، ليغدو مجرد واجهة سياسية بلا روح.
قوى رأس المال المتغوّلة لا تواجه الدولة مواجهة مباشرة، بل تعتمد استراتيجية أكثر دهاءً وتعقيدًا، قوامها العمل في مناطق الظل، حيث تختلط المصالح الخاصة بالقرار العام، وحيث يمكن تعطيل القوانين دون إعلان رفضها. فهي لا تعارض نصوص مكافحة الفساد المالي، لكنها تُفرغها من فعاليتها عبر النفوذ والضغط، أو عبر صناعة خطاب عام يشكك في ضرورتها، ويصوّرها كعائق أمام “الاستثمار” و“النمو”. وفي هذا السياق، تتحول مفاهيم اقتصادية تقنية إلى أدوات أيديولوجية تُستخدم لتبرير الإفلات من المحاسبة.
إن أحد أخطر تجليات هذا الواقع يتمثل في تحويل الاقتصاد إلى سلطة موازية، لا تخضع للانتخاب ولا للمساءلة، لكنها تؤثر بعمق في الخيارات الكبرى للدولة. فحين يصبح تحديد الأسعار، ومسالك التوزيع، والاستثمار في القطاعات الحيوية، رهين حسابات ضيقة، تفقد الدولة قدرتها على التخطيط الاجتماعي، وتتحول من فاعل منظم إلى متلقٍ للضغوط، ومن حامٍ للصالح العام إلى وسيط هش بين قوى غير متكافئة.
ولا يقف أثر هذا التغوّل عند حدود الاقتصاد، بل يتجاوزها ليطال البنية الثقافية والرمزية للمجتمع. إذ يعيد رأس المال المتوحش تشكيل الوعي العام عبر امتلاكه أدوات التأثير الإعلامي، وفرضه لمنظومة قيم تمجّد الربح السريع وتُهمّش فكرة الصالح العام. فيُعاد تعريف النجاح باعتباره قدرة على التراكم المالي لا على الإنتاج أو الإسهام الاجتماعي، وتُقدَّم الدولة بوصفها عبئًا لا ضمانة، ويُصوَّر المرفق العمومي كفشل بنيوي لا كخيار اجتماعي.
في ظل هذا المسار، تتآكل الثقة في الدولة تدريجيًا. فالمواطن الذي يرى التهرّب الجبائي يُكافأ ضمنيًا، والاحتكار يُدار بلا عقاب، يفقد الإيمان بعدالة المنظومة. وهنا يتفكك العقد الاجتماعي، وتتحول العلاقة بين الفرد والدولة إلى علاقة قسرية، قائمة على الإكراه لا على الانتماء الواعي. وهذه اللحظة بالذات هي الأخطر، لأنها تفتح الباب أمام الشعبوية، أو العزوف، أو اللامبالاة السياسية، وكلها مؤشرات على أزمة عميقة في معنى الدولة ووظيفتها.
الدولة ذات الأفق الديمقراطي والاجتماعي لا يمكن أن تستقيم دون سيادة جبائية عادلة، ودون فصل واضح بين الثروة والقرار السياسي. فالجباية ليست مجرد أداة مالية، بل تعبير ملموس عن المساواة أمام القانون، وعن استعداد الجميع لتحمّل أعباء الدولة وفق قدراتهم الحقيقية. ومكافحة الفساد ليست شعارًا أخلاقيًا يُرفع في الخطب، بل شرط بنيوي لإعادة توزيع الفرص، وضمان تكافؤها، وحماية الفئات الهشة من منطق السوق المنفلت.
كما أن حماية المرفق العمومي تمثل خط الدفاع الأخير عن البعد الاجتماعي للدولة. فالصحة والتعليم والنقل والخدمات الأساسية ليست قطاعات خاسرة كما يروّج الخطاب النيوليبرالي، بل استثمارات طويلة المدى في الاستقرار الاجتماعي وفي تماسك الدولة نفسها. وحين تُترك هذه القطاعات رهينة لمنطق الربح وحده، تُعاد إنتاج الهشاشة، وتتعمّق الفوارق، وتفقد الدولة أحد أهم مصادر شرعيتها الأخلاقية.
إن معركة تونس الحقيقية ليست مع الاستثمار في ذاته، بل مع الفساد المقنّع بثوب الاستثمار. وليست مع رأس المال كقوة إنتاج، بل مع تحوّله إلى سلطة فوق الدولة، قادرة على توجيه القرار دون تفويض شعبي. فالدولة القوية لا تعادي السوق، لكنها تنظّمه، وتضع له حدودًا واضحة، وتُخضعه لقواعد شفافة تمنع تحوّله إلى أداة هيمنة أو ابتزاز.
في النهاية، لا يمكن للديمقراطية أن تستقر دون مضمون اجتماعي، ولا يمكن للعدالة الاجتماعية أن تتحقق دون دولة تمتلك الشجاعة السياسية لتفكيك شبكات المصالح غير الرسمية، واستعادة القرار الاقتصادي من قبضة النفوذ غير الخاضع للمساءلة. تلك معركة طويلة ومعقّدة، لكنها المعركة الوحيدة التي تستحق أن تُخاض، إذا أُريد لتونس أن تكون دولة مواطنين لا دولة امتيازات، ودولة قانون لا دولة نفوذ.

- كاتب صحفي و باحث مهتم بقضايا التنمية و المواطنة و النزاعات الإقليمية و الدولية و آخر تطورات الصراع العربي - الصهيوني.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي