|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

مظهر محمد صالح
2025 / 12 / 25
لم أكن أصدّق يومها معنى أن تهبط درجات الحرارة إلى مستوياتٍ يستغيث عندها الثلج نفسه من شدّة البرودة ،كأنّ التراكم الأبيض يرتجف، متجمّدًا بصراخٍ صامت، وبهـدوءٍ لا يعرف الثلج فيه معنى السكون. كانت الدنيا قد بلغت نقطة تجمّدٍ تتجاوز التجمّد ذاته، عالمًا ما وراء الصفر، حيث بثّت السماء لونًا أصفر غريبًا. لم أفهم فيزياء هذا اللون، سوى أنّه أعادني إلى أزمنةٍ بعيدة من الشرق، حين كانت العواصف الترابية الصفراء تلفّ شتاءات طفولتنا، وتستقر في ملفّ الذاكرة الأولى.
كيف أصل إلى السوبر ماركت الكبير لأتزوّد باحتياجات المنزل، وقد نفدت أساسياته، في هذه الحراجة المناخية التي اختفت فيها الكائنات كلّها؟
سرتُ فوق ثلجٍ مات بردًا تحت قدميّ، خطواتٍ ثقيلة في منطقتي السكنية التي عشتُ فيها قبل أقل من خمسة عقود، تلك المنطقة التي حملت اسم بقالة كبيرة معتدلة الأسعار تُدعى «لوبلاس»، وهي فرع من سلسلة Loblaws، إحدى أكبر متاجر البقالة في كندا، والقريبة من شارع McArthur ومنطقة Vanier في أوتاوا ،زمنٌ بعيد ما زال يقيم في الذاكرة.
لم أستطع السير سوى أمتار قليلة حتى استوقفتني بقالة الحي: مساحة محدودة، لكنها عامرة بالبضاعة. غير أنّ أسعارها كانت ترتفع على نحوٍ يعاكس انخفاض درجات الحرارة ، ارتفع ثمن الخبز والحليب وعلب القهوة والجبن والزبدة، أمّا الخضار والفواكه الطازجة فقد هربت بأسعارها قبل أن أهرب منها.
تمازحتُ مع صاحب البقالة:
– منذ متى افتتحت؟
أجاب فورًا:
– قبل لوبلاس بساعتين.
سألته:
– ومتى تُغلق؟
قال بسرعة موجة البرد التي اجتاحت الحياة كقوّة احتلال:
– بعد لوبلاس بأربع ساعات.
قلتُ:
– سيكون الوقت متأخرًا ليلًا.
ابتسم وقال:
– هذه فرصتي… السريع يسبق البطيء.
قلت له:
– لكن الكبير يبتلع الصغير في عصر ثورة المعرفة!
ضحكنا معًا على مفارقة التنافسية غير المتكافئة، وأدركتُ حينها أنّ الزمن والطبيعة القاسية بلونها الأصفر ، هما من يعيدان توازن الربح بين قوى السوق. تبسّمتُ لحكمة الرجل، وحملتُ الخبز والحليب والجبن، بعد أن دفعتُ ثمنًا أضيفت إليه «علاوة البرد»، ودخلت مشترياتي عالمًا ما بعد الجماد.
اليوم، في العصر الرقمي، عصر المعلوماتية، بات السريع يأكل البطيء.
حدّثني حفيدي أنّ حانوت المدرسة أصبح بطيئًا في إعداد الوجبات خلال الاستراحة الكبيرة. سرّني أنّه اتصل بمطعم للوجبات السريعة في وسط بغداد مستخدمًا خوارزميات الهاتف الذكي، ولم تمضِ سوى عشر دقائق حتى تسلّم ساندويشًا دافئًا، بينما كان زملاؤه ما يزالون في طابور مطعم المدرسة الصغير، يتزاحمون اتّقاءً لبردٍ لا يُقاس بشيء أمام سالب 39.
ختاماً، تذكّرتُ أوتاوا، لا بوصفها مدينةً باردة، بل بوصفها درسًا في معنى الزمن حين يشتدّ. يومها، عند سالب 39، لم تنتصر البقالة الصغيرة على الكبيرة لأنها أرخص أو أذكى، بل لأنها كانت أقرب إلى الإنسان في لحظة حرجة .
هناك، حين يتقلّص الهامش بين الحاجة والقدرة، يصبح الزمن هو السلعة الأثمن، وتتحوّل السرعة من ميزة تقنية إلى قيمة وجودية.
في ذلك البرد القاسي، انكشفت السوق على حقيقتها: ليست أرقامًا ولا أحجامًا، بل استجابات بشرية لظروف استثنائية.
ومنذ تلك اللحظة، بدأ عالمٌ جديد يتشكّل بهدوء ، عالم لا تحكمه بالضرورة معادلة «الكبير يبتلع الصغير»، بل منطقٌ أدقّ: من يفهم الزمن، ويصغي للطبيعة، ويقترب من الإنسان، هو من يعيد رسم توازن السوق.
ولعلّ هذا هو الدرس الأعمق الذي حملته معي من هناك:
(أن التقدّم لا يُقاس بالحجم وحده، ولا بالقوة وحدها، بل بالقدرة على الحضور في اللحظة المناسبة… حتى لو كانت اللحظة عند سالب 39).