|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
فريد بوكاس
2025 / 12 / 22
ألمانيا: فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي
بينما تتلألأ الأضواء على ملاعب المغرب، وتتصدر شعارات الاحتفال الإعلامي العالمي، ويُسوَّق للمملكة على أنها نموذج للنجاح الرياضي والتنظيمي في إفريقيا والعالم، يعيش المواطن المغربي واقعًا متناقضًا بكل فجاجة، واقعًا تتقاطع فيه البطالة المزمنة والفقر المدقع، وتدهور الخدمات الصحية والتعليمية، وانعدام فرص التنمية الاقتصادية الحقيقية، ومعاناة يومية مستمرة لا تجد صدى إلا على صفحات محدودة من الإعلام المحلي، بينما تُسوَّق الصورة الرسمية للعالم الخارجي على أنها دولة ناجحة، قادرة، ومستقرة، وهذه الفجوة بين الصورة والواقع ليست صدفة، ولا إخفاقًا إداريًا عابرًا، بل اختيار سياسي واعٍ على أعلى مستوى، قرار مركزي يضع المظهر الإعلامي والفرجة الدولية فوق حياة الناس وكرامتهم، ويترك المواطن في انتظار دائم بينما تتدفق الموارد على ما يُعرض فقط، ويُغيب عنهم الحق في العيش الكريم والحق في التنمية والحق في العدالة الاجتماعية.
السلطة في المغرب مركزة بشكل شبه كامل في يد الملك، الذي يتحكم في كل مفاصل القرار الاستراتيجي، ويحدد الأولويات الكبرى، ويوجه الموارد أينما شاء، ويشرف على جميع الملفات الأساسية، ويقود السياسات الكبرى، وبالتالي فإن أي فشل في الصحة العامة، التعليم، التشغيل، معالجة الفقر والتهميش، حماية البيئة، أو تقديم العدالة الاجتماعية ليس مجرد نتيجة لقصور إداري أو تقصير حكومي، بل مسؤولية مباشرة تقع على عاتقه، تمامًا كما يُنسب له كل نجاح رياضي أو احتفالي يُسوَّق خارجيًا كدليل على كفاءة الدولة ونجاحها.
الحوز: الخيام والبرد مقابل الملاعب والاحتفالات
في الحوز، تُترك الأسر لأسابيع وشهور تحت الخيام والبرد القارس، تنتظر إعادة الإعمار وعودة الحياة الطبيعية، بينما تتحرك الدولة بسرعة مذهلة لبناء ملاعب فاخرة وتجهيز الاحتفالات، ما يوضح أن الأولويات ليست إنسانية، بل رمزية، وأن حياة المواطنين اليومية تُعامل كأمر ثانوي، بينما الصورة الرسمية تُعامل على أنها قضية وجودية للدولة، وهو مثال صارخ على اختيار القيادة العليا أن تمنح الأولوية للفرجة الدولية على حياة الناس. هنا، يصبح السؤال الملح: كيف يمكن لملك يتحكم في كل تفاصيل الدولة أن يسمح باستمرار هذا الإقصاء؟ وكيف يمكن تفسير المبالغ الطائلة التي تُستثمر في المشاريع الرمزية في مواجهة معاناة السكان التي تستمر لسنوات؟
أسفي: التلوث البيئي والمعاناة المستمرة
في أسفي، يستمر التلوث البيئي في قتل السكان ببطء و الحزن على ضحايا الفيضان ، وتظل الشكاوى والتحذيرات غير مجدية، لتصبح الدولة، تحت إشراف مباشر، طرفًا ضمنيًا في استمرار الضرر، ومع كل يوم صمت رسمي يزداد العبء على السكان، ويزداد الفارق بين حقوق المواطن المفترضة والواقع الذي يعيشه، ويزداد الشعور بالإقصاء والغبن بين المواطنين الذين ينتظرون العدالة والأمن الصحي والبيئي، وهم يرون من بعيد الملاعب والاحتفالات وكأنها لا تخصهم. هنا لا مجال لتبرير الإخفاقات: القرار الملكي المباشر هو الذي يحدد الأولويات، ومن يقرر أن يتم تجاهل حقوق أسفي البيئية والاجتماعية.
الريف وجرادة: إقصاء متواصل وقمع الاحتجاج
أما الريف وجرادة، فهي حلقات متتابعة في سياسة الإقصاء الممنهج، حيث تُترك مناطق بأكملها للمعاناة، ثم يُقابل أي احتجاج شعبي بالقمع أو التسويف أو النسيان، وكأن المطالبة بالحق أصبحت جريمة، وكأن الصمت أصبح شرط الانتماء، وكل ذلك يحدث تحت سيطرة مركزية قوية، حيث تُتخذ كل القرارات العليا وفق إرادة الملك، ويصبح تحميل المسؤولية لأي حكومة شكلية غير واقعي، لأن من يملك القرار النهائي هو نفسه من يحدد الأولويات، ومن يملك السلطة هو نفسه من يقرر من يُحاسَب ومتى، ويقرر من يرى حياته محترمة ومن يرى حياته مهملة، ومن يحصل على خدمات ومن يُترك للفقر والحرمان.
زكورة والجنوب الشرقي: الحرمان المزمن
في زكورة والجنوب الشرقي، يُترك السكان لسنوات دون حلول حقيقية للبنية التحتية والخدمات الأساسية، وتبقى الدولة بعيدة عن حياتهم اليومية إلا في المناسبات الإعلامية والرمزية، وهو دليل إضافي على أن القرار النهائي هو قرار ملكي مباشر. هنا، لا يمكن النظر إلى أي جهة حكومية أو إدارية كمصدر حلول، فالمسؤولية تقع على من يمتلك القرار ويحدد الأولويات، وهو الملك شخصيًا، الذي يقرر أن تظل هذه المناطق مهمشة رغم الاحتياجات الواضحة والحقوق الإنسانية الأساسية.
سوس ومراكش وأغادير: التفاوت الحضري والريفية
في سوس ومراكش وأغادير، يبرز التفاوت بين المناطق الحضرية والريفية، حيث يكتظ الحضرون بالفقر والبطالة، بينما يتم استثمار ميزانيات ضخمة في مشاريع سياحية ورياضية تُسوَّق دوليًا على أنها إنجازات وطنية، بينما المواطن يبقى بعيدًا عن هذا “النجاح”، وهو يُجبر على التعايش مع مشاكل الكهرباء والماء، والمدارس المتداعية، والمستشفيات غير المجهزة، ويعيش تحت وطأة قمع الاحتجاج أو تضييق حرية التعبير، وفي كل هذه القضايا تظل القرارات النهائية والقدرة على التغيير في يد الملك وحده، الذي يقرر أي مشاريع تُنفذ وأي مناطق تُهمش، وهو بذلك يتحمل المسؤولية الكاملة عن الفجوة بين الصورة الإعلامية والواقع اليومي.
الشمال الغربي والشمال الشرقي: الهجرة الداخلية والتهميش
حتى في مناطق الشمال الشرقي والشمال الغربي، حيث الصناعات التقليدية والزراعة تحدد حياة السكان، يظهر الفشل الاقتصادي والاجتماعي بوضوح، مع استمرار الهجرة الداخلية والخارجية، وغياب أي استراتيجية تنموية مستدامة، ومع ذلك تُنفق المليارات على الرمزية والمهرجانات الرياضية، ويظل الملك هو المسؤول الأول عن كل هذه الاختيارات، كما يتحمل المسؤولية عن أي تجاهل أو تأجيل أو تضييق أو إقصاء لأي منطقة أو فئة.
الصحة: مستشفيات مهترئة وسط بطولات فاخرة
في مجال الصحة، تكشف المستشفيات العمومية عن واقع مأساوي: نقص المعدات، نقص الأطباء والممرضين، غياب أدوية أساسية، أجنحة مغلقة ومهترئة، كل ذلك بينما تُنفق الدولة المليارات على تجهيز ملاعب وبناء قاعات عرض وتنظيم بطولات رياضية، وهو دليل إضافي على أن الأولويات تُحدد سياسيًا، وأن الملك يتحمل المسؤولية المباشرة عن هذا الفشل الصحي الذي يهدد حياة المواطنين يوميًا.
التعليم: مدارس مكتظة وأزمات تعليمية متفاقمة
في قطاع التعليم، يعاني الأطفال والشباب من مدارس مكتظة، بنى تحتية منهارة، نقص في الكتب والمستلزمات الأساسية، أساتذة يضطرون لتدريس أكثر من صف في وقت واحد، برامج تعليمية متقادمة، كل ذلك بينما تُستثمر الموارد في مشاريع رمزية ورياضية، لتصبح الفجوة بين الحقوق الأساسية والمظاهر الإعلامية واضحة، ويظل الملك هو المسؤول المباشر عن هذا الإخفاق التعليمي المزمن.
التشغيل والفقر: شباب بلا مستقبل
البطالة، خصوصًا بين الشباب، تُعد أزمة حقيقية، حيث تتراكم عشرات الآلاف من الخريجين سنويًا بدون فرص عمل، وتغيب أي استراتيجيات فاعلة للتشغيل أو التنمية المستدامة، كل ذلك بينما تُخصص أموال ضخمة للاحتفالات الرياضية والرمزية، وهو ما يوضح أن الملك يتحكم في السياسات الاقتصادية والاجتماعية، ويختار أولويات الدولة وفق مصالح رمزية وسياسية أكثر من مصالح المواطنين.
البيئة والإسكان: تدهور مستمر تحت إشراف مباشر
تتفاقم أزمات البيئة والإسكان في مناطق مثل أسفي، جرادة، وزاكورة، حيث يعيش السكان تحت تأثير التلوث أو في مساكن مهترئة، بينما يتم الترويج لمشاريع فاخرة ورياضية للإعلام الخارجي، وهو دليل إضافي على أن القرار الملكي المباشر هو المسؤول عن هذه الاختيارات، وأن تجاهل معاناة المواطنين ليس عشوائيًا بل متعمد سياسيًا.
حرية التعبير: اعتقالات وتضييق مباشر
الاعتقالات السياسية، التضييق على الصحافيين والنشطاء، وفرض حدود صارمة على حرية التعبير، ليست إخفاقات عابرة، بل انعكاس مباشر لسياسة عليا يحددها الملك كرأس الدولة والحاكم الفعلي للقرار السياسي، الذي لا يقبل النقد، ويُمعن في حماية صورته وصور الدولة على حساب الحقوق الأساسية للمواطنين.
الخلاصة: المسؤولية الملكية المطلقة
إن فهم المغرب اليوم يتطلب تجاوز الصور البراقة، والنظر إلى الحياة الواقعية للمواطنين الذين يعيشون على هامش الدولة الفعلية، وإدراك أن كل فرحة يتم تسويقها دوليًا، وكل بطولة تُنظم، وكل إنجاز يُرفع في الإعلام، لا يمكن فصلها عن غياب العدالة الاجتماعية، وانعدام الحقوق الأساسية، والاختيارات السياسية العليا التي يحددها الملك شخصيًا.
طالما استمرت السلطة العليا في التحكم الكامل، سيبقى المغرب بلدًا حيث تُسوَّق الفرحة وتُخفي المعاناة، حيث يُحتفى بالملاعب بينما تظل الخيام قائمة، حيث تُرفع الأعلام بينما الحقوق تسقط، وحيث تُحمَّل الحكومات الشكلية ما هو في الواقع مسؤولية الملك المباشرة والفعلية، الذي يمتلك القرار النهائي في كل شيء، من الصحة إلى التعليم، من الشغل إلى البيئة، من حقوق التعبير إلى التنمية المحلية.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |