|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

زكريا كردي
2025 / 12 / 21
تدور هذه المرة حول فهمي الخاص لعبارة :
" نحن شعوب متخلّفة ، تعيش في ذهنية القرون الوسطى ، مازالت تجترّ معارف "ما قبل الحداثة "
- بدايةً ، أنا أرى أن هذه العبارة الفكرية المُكثفة ، ليست مجرد حكم قيمي ، بل هي توصيف دقيق لحالة معرفية وثقافية قائمة...
- لكن علينا قبل اي شيء، أن نفهم جيداً ، بأن " الحداثة " ببساطة، وحسب فهمي الخاص ، تعني الانتقال بوعي الانسان من التفكير التقليدي القائم على الموروث والأسطورة إلى التفكير العقلاني النقدي...
- أي أنها حال الوعي الانساني الحديث ، الذي يؤمن يقيناً ، بأن الحقيقة ليست مطلقة أو موروثة ، بل تُبنى عبر التجريب والبحث العلمي ، وتمثل الفهم الرافض سلطة الماضي كمرجعية نهائية، و ذهنية تُعلي من شأن الشك المنهجي وحرية التأويل والنقد والتفكير ..
- وأعتقد لكي نفهم أكثر / مقصود هذه العبارة العميقة الموجزة ، علينا ان نبيّن بوضوح وبساطة، بعض حدود المعانى في كل من مفرداتها الاساسية :
- القول بتخلف شعب أو مجموعة بشرية ما ، لا يعني بالضرورة نقصاً بيولوجياً أو جوهرياً ، بل يشير إلى تأخر ذهني لديها في تبنّي أنماط التفكير والمؤسسات التي ارتبطت بالحداثة ( العقلانية، العلم، الفردانية، الديمقراطية).
- ومعنى قولنا : ذهن هذا الانسان ( مُتخلّف) غير حداثي ، أي أن هذا ذهن هذا الانسان مُغيب - معرفياً - عن حقائق الواقع العلمي الراهن ،
فالعقل الذي يفكر بذهنية " ما قبل الحداثة " ، هو عقل جامد عند معرفة ما ، ومتوقف نشاطه في مرحلة زمنية ماضية ، أي مازال يفكر وينظر إلى العالم الواقعي ، من خلال التقليد والنقل والعنعنات فقط ، وتسيطر على عاقليته الأسطورة ، وتحكمه سلطة الغيبيات المطلقة .
- بمعنى اعتماده الكلي - في تسيير عيشه ومعاشه - على تقليد الموروث وتقديس الماضي ، دون أي نقد أو مساءلة أو تنقيح وتصحيح له..
- والامم التي تستند ثقافاتها على [ علوم و معارف ما قبل الحداثة] : تكون أذهان أبنائها - عادةً - متخمة بأنظمة معرفية يقينية ماضوية ميتة ، لا تستند إلى التجريب والعقل النقدي ، بل إلى اللغو والنقل ، والعرف والتقليد ، أو على التفسير الديني/الميثولوجي .
- ولو دققنا قليلاً ، سنجد أن لهذه الذهنية الغارقة في الماضي أو من سميناها " أمم عقول ما قبل الحداثة " لها بعض الملامح الجوهرية ، التي تميزها عن عقول الامم المتقدمة او مجتمعات الحداثة وما بعد الحداثة :
- معرفياً : هي أمم تنظر دائماً إلى الحقيقة ، كشيء ثابت ومطلق ، لا كنتاج بحث وتجريب..
- سياسياً: السلطة تُفهم فيها ، كحق إلهي أو أبوي، وليست عقداً اجتماعياً يقوم على المصالح الافضل، أو نظاماً ديمقراطياً علمانيا تعددياً .
- اجتماعياً : تكون العلاقات بين الناس فيها ، قائمة على الطاعة والخضوع والتراتبية ، لا على المساواة والحقوق الفردية..
- ثقافياً : تكون فقيرة إبداعياً بشكل واضح ، بالذات في العلوم المفيدة ، وذلك لأسباب كثيرة ، يصعب شرحها الآن ، لكن السبب الاهم في تقديري هو أن قياس الإبداع ، يكون فيها حول مدى التزام العقل المبدع بالتقليد والصد ، لا بمدى قدرته على التجديد أو النقد..
- ثم للأسف الشديد ، قد نجد بعض المجتمعات البشرية ، و( لأسباب ذاتية وموضوعية ) تختار طواعية وعن وعي مناهضة الحداثة ومكتسباتها المعرفية أونظرياتها وكشوفها العلمية ، وتُصر على أن تأخذ فقط قشرة الحضارة الاستهلاكية ،بينما هي في حقيقة الامر ، تحافظ على التخلف وتعزز ثقافة عدم الالتحاق بركب الحضارة الانسانية ، وتدعم في أذهان أبنائها - من خلال انظمة ومناهج تعليم متخلفة - الرغبة في التمسك بأنماط فكرية قروسطية ، كجزء من هويتها وكينونتها ..
وربما المحزن أكثر ، أنها لا ترى في ذلك الجهل تخلفاً ، أو تدهوراً عقلياً ، بل أصالة وفخراً ،وتميزاً ، و أحياناً مقاومة حميدة أو هوية مجيدة ..
لهذا نرى أبناء أمم الجهل المقدس، تحمد الله على نقمة الجهل ، بدلاً من حمده على نعمة العقل..
zakariakurdi
| في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن | حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر |