أفكارٌ بسيطة غير مُلزمة لأحد .. ( 77 )

زكريا كردي
2025 / 12 / 21

تدور هذه المرة حول فهمي الخاص لعبارة :
" نحن شعوب متخلّفة ، تعيش في ذهنية القرون الوسطى ، مازالت تجترّ معارف "ما قبل الحداثة "

- بدايةً ، أنا أرى أن هذه العبارة الفكرية المُكثفة ، ليست مجرد حكم قيمي ، بل هي توصيف دقيق لحالة معرفية وثقافية قائمة...
- لكن علينا قبل اي شيء، أن نفهم جيداً ، بأن " الحداثة " ببساطة، وحسب فهمي الخاص ، تعني الانتقال بوعي الانسان من التفكير التقليدي القائم على الموروث والأسطورة إلى التفكير العقلاني النقدي...
- أي أنها حال الوعي الانساني الحديث ، الذي يؤمن يقيناً ، بأن الحقيقة ليست مطلقة أو موروثة ، بل تُبنى عبر التجريب والبحث العلمي ، وتمثل الفهم الرافض سلطة الماضي كمرجعية نهائية، و ذهنية تُعلي من شأن الشك المنهجي وحرية التأويل والنقد والتفكير ..
- وأعتقد لكي نفهم أكثر / مقصود هذه العبارة العميقة الموجزة ، علينا ان نبيّن بوضوح وبساطة، بعض حدود المعانى في كل من مفرداتها الاساسية :
- القول بتخلف شعب أو مجموعة بشرية ما ، لا يعني بالضرورة نقصاً بيولوجياً أو جوهرياً ، بل يشير إلى تأخر ذهني لديها في تبنّي أنماط التفكير والمؤسسات التي ارتبطت بالحداثة ( العقلانية، العلم، الفردانية، الديمقراطية).
- ومعنى قولنا : ذهن هذا الانسان ( مُتخلّف) غير حداثي ، أي أن هذا ذهن هذا الانسان مُغيب - معرفياً - عن حقائق الواقع العلمي الراهن ،
فالعقل الذي يفكر بذهنية " ما قبل الحداثة " ، هو عقل جامد عند معرفة ما ، ومتوقف نشاطه في مرحلة زمنية ماضية ، أي مازال يفكر وينظر إلى العالم الواقعي ، من خلال التقليد والنقل والعنعنات فقط ، وتسيطر على عاقليته الأسطورة ، وتحكمه سلطة الغيبيات المطلقة .
- بمعنى اعتماده الكلي - في تسيير عيشه ومعاشه - على تقليد الموروث وتقديس الماضي ، دون أي نقد أو مساءلة أو تنقيح وتصحيح له..
- والامم التي تستند ثقافاتها على [ علوم و معارف ما قبل الحداثة] : تكون أذهان أبنائها - عادةً - متخمة بأنظمة معرفية يقينية ماضوية ميتة ، لا تستند إلى التجريب والعقل النقدي ، بل إلى اللغو والنقل ، والعرف والتقليد ، أو على التفسير الديني/الميثولوجي .
- ولو دققنا قليلاً ، سنجد أن لهذه الذهنية الغارقة في الماضي أو من سميناها " أمم عقول ما قبل الحداثة " لها بعض الملامح الجوهرية ، التي تميزها عن عقول الامم المتقدمة او مجتمعات الحداثة وما بعد الحداثة :
- معرفياً : هي أمم تنظر دائماً إلى الحقيقة ، كشيء ثابت ومطلق ، لا كنتاج بحث وتجريب..
- سياسياً: السلطة تُفهم فيها ، كحق إلهي أو أبوي، وليست عقداً اجتماعياً يقوم على المصالح الافضل، أو نظاماً ديمقراطياً علمانيا تعددياً .
- اجتماعياً : تكون العلاقات بين الناس فيها ، قائمة على الطاعة والخضوع والتراتبية ، لا على المساواة والحقوق الفردية..
- ثقافياً : تكون فقيرة إبداعياً بشكل واضح ، بالذات في العلوم المفيدة ، وذلك لأسباب كثيرة ، يصعب شرحها الآن ، لكن السبب الاهم في تقديري هو أن قياس الإبداع ، يكون فيها حول مدى التزام العقل المبدع بالتقليد والصد ، لا بمدى قدرته على التجديد أو النقد..
- ثم للأسف الشديد ، قد نجد بعض المجتمعات البشرية ، و( لأسباب ذاتية وموضوعية ) تختار طواعية وعن وعي مناهضة الحداثة ومكتسباتها المعرفية أونظرياتها وكشوفها العلمية ، وتُصر على أن تأخذ فقط قشرة الحضارة الاستهلاكية ،بينما هي في حقيقة الامر ، تحافظ على التخلف وتعزز ثقافة عدم الالتحاق بركب الحضارة الانسانية ، وتدعم في أذهان أبنائها - من خلال انظمة ومناهج تعليم متخلفة - الرغبة في التمسك بأنماط فكرية قروسطية ، كجزء من هويتها وكينونتها ..
وربما المحزن أكثر ، أنها لا ترى في ذلك الجهل تخلفاً ، أو تدهوراً عقلياً ، بل أصالة وفخراً ،وتميزاً ، و أحياناً مقاومة حميدة أو هوية مجيدة ..
لهذا نرى أبناء أمم الجهل المقدس، تحمد الله على نقمة الجهل ، بدلاً من حمده على نعمة العقل..
zakariakurdi

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر