مأزق الرّمز في ذاكرة الشعوب، إضاءة على رسالة السيد منذ الزنايدي الأخيرة

عزالدين بوغانمي
2025 / 12 / 21

من البداية أشير إلى أن إحالة الرسالة على معنى "الرّمز في الذاكرة" لا تعني أن لي موقف سلبي من شخص منذر الزنايدي، ولا شكّ في كفاءته الإدارية، ولا حتى في صدقية نواياه المعلنة اليوم. الإشكال أعمق وأخطر. إنّه إشكال الشرعية الرمزية في سياق ثوري لم يُحسم بعد، وذاكرة جماعية لم تندمل جراحها.

الثورات، حين تندلع، لا تعيد ترتيب المشهد السياسي وفق منطق الخبرة أو الجدارة التقنية، بل وفق منطق سؤال آخر صادم وأكثر جذرية، ألا وهو: "من يملك الحق في تمثيل المستقبل؟". وهذا الحق لا يُستمدّ من طول الخدمة في الدولة، ولا من حسن إدارة الملفات، بل من القطيعة الرّمزية مع النظام الذي ثار عليه الناس. ومنذر الزنايدي، هذا الرجل النظيف، لم يكن شاهدًا على دولة الريع، ولا موظفًا محايدًا داخلها، بل كان أحد أركانها التنفيذية. صعد في سلمها، حكم باسمها، واستمدّ مكانته من منطقها. والثورة، حين اندلعت، لم تُسقط أسماء بعينها بقدر ما أسقطت شرعية نمط حكم كامل. من شارك في إدارة ذلك النمط، حتى دون فساد شخصي أو استبداد مباشر، خرج موضوعيًا من دائرة من يحقّ لهم أن يكونوا عنوان القطيعة.
وهنا يجب التفريق، فلسفيًا وسياسيًا، بين أمرين:
المشاركة في التغيير
وقيادة التغيير
يمكن لمنذر الزنايدي أن يكون جزءًا من نقاش وطني، أو شاهد خبرة، أو فاعلًا داعمًا لمسار إنقاذ البلاد. لكنّ تحوّله إلى عنوان للتغيير يحمل خللًا رمزيًا قد لا تُفلح البلاغة في إصلاحه ولا النوايا الحسنة. ذلك أن الثورات لها منطقها الخاص، وبحكم طبيعتها فهي وقحة وسليطة اللّسان وحتى وهي مطعونة ومفروشة أرضًا، تظلّ قلقة من أن يتمّ إذلالها مرّتين. ولذلك فهي ليست كائنًا عقلانيا قابلا للاحتواء إلى درجة أنه مستعدّ لتفضيل "التوبة المتأخرة النافعة" على "المغامرة الشرعية المُضرّة". ومن داخل هذا المنطق العنيد تُكتسب شرعية القيادة من زمن المخاطرة لا من زمن إعادة التموضع.

مأزق عناد الثورات يستند إلى حقيقة أنّ الذاكرة الشعبية لا تقرأ النّصوص، بل على الارجح تقرأ الوجوه. وفي المخيال الجماعي التونسي، صورة منذر الزنايدي مثقلة، لا بذنوب شخصية، بل بأوزار مرحلة كاملة، اوزار دولة مغلقة، إدارة فوقية، حكم لا يسمع، ومنظومة امتيازات قامت الثورة ضدها. والثورات لا تنفجر لأن البرامج كانت سيئة، بل لأن الكرامة أُهينت. ومن كان في قمة الدولة زمن الإهانة، لا يمكنه أن يصبح لاحقًا المعبّر عن غضب المهانين.

أما مسألة العمر، فهي بالتأكيد ليست بيولوجية، بل تاريخية. خمسة وسبعون عامًا تعني حمل زمن سياسي كامل في الجسد والخطاب والحدس. تعني الانتماء إلى جيل تشكّل داخل منطق الدولة العمودية، حيث القرار من فوق، والشعب موضوع إدارة خاضع وممنوع من الإفصاح عن هويته كصانع تاريخ. ثم أن الثورة، بطبيعتها، طفلة شابة تبحث عن وجوه مثلها لم تُستهلَك رمزيًا، لا لأن الشباب أصفى منّا أخلاقيًا، بل لأنهم لم يكونوا جزءًا من منظومة الإهانة.

ثم تأتي الرسالة على الشعار المركزي: “التغيير ضمن الاستقرار”. هذا الشعار، في تاريخ السياسة، لم يكن بريئًا ولو مرّة واحدة. لقد رفعته دومًا المنظومات التي تريد تغيير السقف دون المساس بالأساس. هو في الحقيقة شعار الإدارة التي ترفض التغيي ، وليس شعار الثورة القائمة من أجل التغيير. وهو شعار أقرب للدولة الخائفة، منه للمجتمع الغاضب. وقبل هذا وبعده، الثورات لا تبدأ بالاستقرار، بل تُنتج استقرارًا جديدًا بعد الصِّدام. وحين يرفعه رجل دولة قديم، يُقرأ، شئنا أم أبينا، كرسالة طمأنة للنظام أكثر مما هو وعد للشعب.

المُحرج من كل ما تقدّم، هو أنّ قبول عودة رجال النظام القديم في موقع "قادة التغيير" يحمل دلالات رمزية لا تُطاق، من ذلك أن الثورة كانت خطأ، أن القطيعة لم تكن ضرورية، أن الدم الذي سُفك كان اندفاعًا عاطفيًا وليس عربون حرية وضرورة تاريخية...
وهذا بالضبط ما لا يقبله شعب، حتى وهو ناقم على نتائج ثورته، لأن الشعوب قد تندم على دخولها في طريق مجهول، لكنها لا تعترف بأن كرامتها كانت وهمًا.

هنا تتكشّف مسؤولية حركة النهضة التاريخية، بوصفها فاعلًا مخرّبًا للمعنى، معنى الثورة ومعنى الدولة. عبثها بالدولة، تواطؤها مع منظومات الفساد، تحويلها الثورة إلى غنيمة حزبية، وتفكيكها الثقة بين الشعب والسياسة، هو ما فتح الباب أمام جرأة منظومة ما قبل الثورة على الحلم مجددًا بالحكم. النهضة لم تخن الثورة فقط، بل شوّهت صورتها إلى الحد الذي جعل الاستبداد يبدو، في أعين البعض، أقلّ سوءًا من الديمقراطية.

والمأساة ليست أبدا في طموح رجل في الخامسة والسبعين، بل في فراغ أجيال كاملة من الرموز القادرة على حمل المعنى الثوري دون ابتذال أو تلاعب.

ولكي أختم، أُؤكّد أن هذه الورقة ليست إدانة شخص، بقدر ما هي تفاعل مع رسالة وتشخيص لومضة في عمر وطن.
فالسيد منذر الزنايدي يمكن أن يكون جزءًا من الحوار الوطني، لكنه لا يمكن أن يكون عنوان المرحلة.
ليس لأنّه سيّئ، بل لأنّه يمثّل ما ثارت عليه البلاد. أقصد بأن المشكلة ليست في شخصه، بل في الرّمز الذي يحمله، والذاكرة التي يستدعيها. وتلك، في منطق الثورات، مسألة لا تُحلّ بالنوايا ولا بالكلمات، بل بالتاريخ نفسه.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن