تماثيل الثلج: حين تتكسّر رتابة الحياة وجمودها

مظهر محمد صالح
2025 / 12 / 20

أنا القادم من بلادٍ اسمها ما بين النهرين؛
بلادٍ ازدهرت بنخيلها، واستقرت بزروعها، وتقلب مناخها في سهلٍ تصدّ نخيله وبساتينه أعاصير الصيف.
لا نعرف للبرد معنىً إلا في موسمٍ قصير، سرعان ما يغلب عليه مقدمات الربيع، استعدادًا لمناخ حوض المتوسط، وساحاته الصحراوية الخلفية التي ترسل غبارها أحيانًا، وزخّات أمطارها أحيانًا أخرى.

وبين هذا وذاك، تعلّمنا أننا من أبناء المناخات القارية، لكننا نعيش ديناميكية متقلّبة: نهار يختلف عن ليله، وصيف لا يشبه شتاءه… أفعال جوية تشكّل طباعنا نحن سكّان الشرق، يمينًا وشمالًا.

حلّ شهر تشرين الثاني/نوفمبر، قبل أقل من خمسة عقود، ووجدت السماء تلامس الأرض برقائق بيضاء رقيقة وحنونة، تلامس القلب، في عملية تراكمية حوّلت أوتاوا، عاصمة كندا وقارة أميركا الشمالية، إلى قطعةٍ من الجليد المتماسك، يشدّ بعضه بعضًا.

غير أنّ تلك الرومانسية سرعان ما انزلقت إلى قالبٍ جامدٍ ومخيف، يوم أحزنني غرق طفلة في السادسة من عمرها، جازفت بعبور نهر أوتاوا المتجمّد، فغدرها الجليد.
بكيتُ، لأنها كانت في المدرسة الابتدائية نفسها التي دخلتها ابنتي، نحن القادمين من الشرق، في شتائنا الأول.

اقتربت أيام عيد الميلاد، وخرج المجتمع من سكونه تحت الثلج وجباله، ليتحوّل إلى طاقةٍ فنية أعادت الحياة إلى ديناميكيتها الضرورية.
تسيّد المشهد نمطٌ من تماثيل الثلج، زُيّنت بأشرطةٍ وقبعاتٍ سوداء عملاقة، خاض غمارها كبار الفنانين الهواة، يصنعون الحياة من الجليد، من كتلٍ بيضاء تصلّبت تحت سماء مدينة لا ترحم برياح بردها ولا قسوة يومياتها.

كانت تماثيل فائقة الحيوية، اصطفت على حافات القنوات المتجمّدة، لتحوّلها إلى أيقوناتٍ تفيض دفئًا على النفوس.
بدت كأنها تحاكي الطبيعة وتكسر جمودها، لتقول لنا:
“نحن أحياء الطبيعة، نعيش في كتلٍ لا تعرف الحزن، ونعيد إليكم التفاؤل.”

جاء الربيع… ذابت التماثيل، وودّعتنا وهي تهمس:
“انتظروني إلى الشتاء القادم، ما دام فنّانوكم، صُنّاع المعنى من الثلج، يطلقون شراراتهم الحنونة في عوالم الجمال، ويجدّدون الحياة… كل مرة.”

تعلّمت حينها حكمة ساخنة المعنى:
أن الطبيعة لا تُعادي الإنسان، بل تختبر قدرته على إنتاج المعنى.

أخذت أطفالي الصغار عشية عيد الميلاد لنتأمل تماثيل الثلج، فهمس رجل يقف بجانبي قائلًا:
“تماثيل الثلج لا تُراكم الخلود، بل تُراكم المعنى.”
أجبته: نعم، إنه فنّ يعرف أنه زائل، ولذلك بدا لي صادقًا إلى هذا الحد.

غادرنا المكان، وأنا أقول في سري:
“إن القوة السامية غير المنظورة (الخالق الأعظم، الله سبحانه وتعالى) وتفاعلات الطبيعة تخلق المادة، والإنسان يمنحها الدلالة، والزمن يأتي ليحسم المصير بين بقاء الفكرة وغياب الشكل.”

هكذا فقط تتصالح الأشياء حين نتقبل أن الجمال ليس في الديمومة، بل في الأثر.
فالثلج، وهو أقصى أشكال السكون، لا يحمل في ذاته قسوةً ولا رحمة، إنما نحن من نُسقط عليه قراءتنا للزمن.

وحين يتحوّل الجليد إلى تمثال، فإن الزمن نفسه يتباطأ، كأنه يمنح الإنسان فرصة قصيرة ليقول كلمته قبل الذوبان.

فحين جاء الربيع وذابت تماثيل الثلج، لم أشعر بالخسارة، بل كنت أعلم أن ما ذاب هو الشكل فقط، أما المعنى فقد استقر في الذاكرة.
فالزمن لا يهدم كل شيء، بل يكتفي أحيانًا بإزالة القشرة ليُبقي الجوهر حيًا.

وهكذا، كل شتاء يعود، لا ليعيد الثلج فحسب، بل ليذكّرنا أن الحياة، مهما تجمّدت، ستظل قادرة على أن تُنحت من جديد.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي