فدية قبل الموت

سعد العبيدي
2025 / 12 / 18

في بغداد، لا يحتاج المرء إلى مناسبة كي يسمع العبارات ذاتها؛ تتسلّل إليه في المقاهي قبل وصول الفناجين إلى الطاولات. وحال وصولها بدأ الأستاذ كامل سلوان يحرّك فنجانه ببطء، فيما يكرر التلفاز المعلّق في زاوية المقهى، بثقة مألوفة: نحن أعظم أمة، لنا حضارة تمتد سبعة آلاف عام.
ابتسم ابتسامة باهتة، ثم التفت إلى الرجل الجالس قبالته. قدّم نفسه أستاذًا جامعيًا، فردّ الآخر بابتسامة أكثر إشراقًا، وهو يُعَرِف نفسه: يوسف، صاحب محلٍ لبيع الخمور في الكرادة.
قال كامل، كمن يريد فتح الحديث وقد أثقله التكرار: هل سمعت ما قاله مقدّم البرنامج عن العظمة؟ نسمع هذا الكلام كل يوم، حتى بتنا نصدّقه أكثر مما نعيشه.
لم يجبه يوسف في البداية. أشعل سيجارته، ونفث دخانها على مهل، كأنما يمنح الفكرة وقتها، ثم قال: إن الحضارات لا تُبنى في خفايا الشاشات.
ساد بينهما صمتٌ قصير. من خلف الزجاج، كان موكب الزيارة يمضي: أقدام تسير، ماء يُوزَّع، وأصوات الدعاء تختلط بهمهمة الزائرين. مشهد يبعث طمأنينة عابرة، توحي بأن الخير ما زال ممكنًا.
قال كامل، وهو يتابع السير البشري المتدفق: في مثل هذه الأيام نشعر أننا طيبون فعلًا… متكافلون. ثم خفت صوته وأضاف: لكن حين نقترب من أنفسنا أكثر، تتبدل الصورة.
ضحك يوسف ضحكة قصيرة، وأفاد: إذا كنت تود رؤية الحقيقة عن قرب تعال لرؤيتها من باب محلي.
تردد الأستاذ لحظة، ثم قال، وقد التقط ما بين الكلمات: كأني أراك خائفًا من قول الحقيقة؟
أجابه الرجل دون أن ينظر في عينيه: الخوف لم يعد شعورًا طارئًا، صار جزءًا من يومي، من عملي، ومن الطريقة التي أفتح بها باب المحل كل صباح.
صمتٌ ثقيل حلّ بينهما، قبل أن يقطعه يوسف بصوتٍ منخفض: أتعلم ماذا أعمل كي أبقى فاتحا محلي؟
رفع الأستاذ حاجبيه: ماذا تفعل؟
تنفّس الرجل بعمق، كأنه يخرج الاعتراف من صدره: اشتري الأمان، بأرواح الفقراء.
لم يفهم الأستاذ ما قيل، فسأل: ماذا تقصد، لم أفهمك؟
فأجابه بعد صمتٍ قصير، كمن يزن كلماته بين خوفٍ لا يهدأ وندمٍ لا يُقال: لقد جلبت شابًا أيزيديًا من سنجار، ليقف في المحل بدلًا مني. دفعت لعائلته خمسة آلاف دولار، فديةً مسبقة لانفجار قد يحصل أو إطلاقةٍ عابرة، كي لا يطالبوني بتعويضات الدم.
حدّق الأستاذ في وجهه طويلاً، كأنه يحاول التأكد أنه سمع جيدًا: تشتري روح إنسان… لتكون درعًا؟
أطرق الرجل رأسه، ولم يرفع عينيه، وقال بصوتٍ خافت كأنه يعترف لنفسه قبل الاعتراف للغير: لقد اشتريت الهدوء، وصمتهم معًا، ولم يعترض أحد. علّمني العمل أن أفتّش عن النجاة بأي ثمن، وعلّمهم الفقر أن يقبلوا بكل شيء؛ فالموت عندهم، كما يبدو، أهون من الجوع.
لم يجد الأستاذ ما يقوله. شعر بغربةٍ ثقيلة، لا في المكان، بل في الفكرة نفسها، كأنها سُحبت من سياقها الإنساني، وأُلقيت أمامه عارية.
تذكّر كل ما سمعه قبل دقائق عن العظمة، والإنسانية، وأفضلية الأمة، فبدت الكلمات فجأةً بلا جذور.
نهض ببطء، وهو يتمتم لنفسه أكثر مما يخاطب صاحبه: أيُّ عظمةٍ هذه التي تجعل إنسانًا بديلًا عن إنسان، جسدًا يُقدَّم مكان جسد؟ وأيُّ إنسانيةٍ تقبل أن يُشترى الموت مسبقًا؟
وهكذا ترك مكانه في المقهى، وسار مع الماشين، يرددون العبارات ذاتها بثقةٍ كاملة… فيما كان شابٌّ أيزيدي، في زاويةٍ أخرى من المدينة، يقف بدلًا عنهم، بعد أن دُفعت فديته قبل الموت.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي