|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

مظهر محمد صالح
2025 / 12 / 13
بين الدفع النقدي والدفع الرقمي، ثمّة لحظات لا تختبر أدوات المال بقدر ما تختبر كرامة الإنسان، ولا تكون أكثر قسوةً منها حين تقع وأنت خارج وطنك، عاريًا إلا من بداهتك وتجربتك.
كان عليّ أن أغادر فندقي في لندن باكرًا، وأن أُسوي حساب الإقامة لأربع ليالٍ قضيتها هناك لحضور مؤتمر علمي في المالية العامة، قبل عقدٍ ونيف. قدّمت بطاقة الدفع الإلكترونية التي يُفترض أن تغطي تكاليف الإقامة وتوفّر حدًا ائتمانيًا كافيًا، غير أن موظفة الفندق رفعت رأسها ببرودٍ مهني وقالت:
البطاقة غير مفعّلة.
سألتها عن قيمة الحساب، فأجابت: نحو ثمانمئة باوند إسترليني.
فتّشت جيبي، فلم أجد سوى مبلغٍ لا يكفي إلا لإفطارٍ سريع وأجرة سيارة أجرة إلى المطار. عندها لجأت إلى ما تبقّى من يقيني النقدي: الدولار الأميركي. أخرجته بثقةٍ عفوية، لكن الرد جاء صادمًا وصريحًا، وبصلافة أنكلوسكسونية جافة:
ما هذه العملة؟ لا أعترف بها.
تجمّدت للحظة. تساءلت في داخلي: أين ذهبت اتفاقية بريتون وودز التي تأسست عام 1945، ومنحت الدولار هيمنته على نظام المدفوعات العالمي؟ كيف يعشق جمهور الشرق الدولار، بينما يُرفض هنا، في الفندق الذي أقيم فيه، رفضًا قاطعًا؟
يا لها من مفارقة!
قلت لها، محاولًا الحفاظ على رباطة الجأش: إذن ماذا أفعل؟
أجابت ببرودٍ أشد: هذه مشكلتك. عليك أن تحلّها بنفسك.
كان الليل قد دخل ظلمته، والساعة تقترب من العاشرة مساءً. وقفت عند بوابة الفندق، والظلام يضغط على صدري، لا أدري إلى أين أمضي.
في تلك اللحظة، تقدّم مني سائق سيارة أجرة، رجل بريطاني وقور في عقده السادس، وقال بهدوء إنساني نادر:
ما الخطب أيها الرجل؟ تبدو في حيرةٍ شديدة.
شرحت له ما جرى. أجابني بلا تردد:
لا تقلق، سنذهب قليلًا. هناك مكتب صرافة قريب يمكنك أن تحوّل فيه دولاراتك إلى باوندات.
توقفت السيارة أمام بقالة صغيرة يديرها رجل هندي. دخلت مرتبكًا، لكن رائحة التوابل الشرقية أعادت إليّ شيئًا من الطمأنينة، وكأن الذاكرة سبقت الجسد. سألته عن مكتب الصرافة، فأشار إلى زاوية قريبة من الشارع.
هرعت نحوها، وبرد صيف لندن يخفّ وطأته بنسيمٍ منعش، حتى بلغت المكتب… لأجده مغلقًا، وصاحبه يعلّق لافتة صغيرة: انتهى العمل.
يا رب، ما هذا الإحراج؟
أملك عملة يتقاتل العالم من أجلها، لكن الفندق الذي أقيم فيه لا يعترف بها!
خذلتني قدماي من شدّة الخيبة، وعدت أدراجي إلى البقالة. استقبلني الرجل الهندي بابتسامةٍ واسعة، وكأن قارة آسيا بأسرها تمدّ يدها لتضمّ جزيرة بريطانيا.
قال لي بلطف: ما بك أيها الرجل؟
شرحت له ما جرى. ابتسم وقال:
كم تريد أن تستبدل؟
قلت، من خوفي: ألف باوند.
قال بهدوء: أعطني دولاراتك، وهذا المبلغ كاملًا… ولن آخذ منك أي عمولة.
ناولني المال، وقدّم لي كوب شاي معطّر، أعادني إلى توازني. شكرته بامتنانٍ عميق.
عدت إلى سائق الأجرة الذي كان ينتظرني. أخبرته أن المشكلة حُلّت. سألني عن أجره، قال: أربعة عشر باوندًا. أعطيته عشرين، فاعتذر، ولم يقبل الفرق إلا إكرامًا للحظة الفرح ونقاء المقصد.
عدنا إلى الفندق قرابة منتصف الليل. كان الـ«كونسيرج» سعيدًا بزوال المأزق. وقفت مجددًا أمام موظفة الحسابات، وقلت بهدوء:
انتهى الإشكال، أرجو تزويدي بقائمة الحساب.
دفعت المبلغ بأريحية، لكنها بقيت أسيرة دائرة إنسانية ضيّقة لا تتّسع لغير الإجراءات.
في تلك اللحظة أدركت أن العالم، رغم وفرة المال وتعقّد الأنظمة، لا يزال يضع الإنسان في مواقف منزوعة الرحمة.
وفي داخلي، لعنتُ بريتون وودز لا لأنها أخطأت، بل لأنها جعلتنا ،نحن الأفراد،ساحة اختبار لصراعات الأنظمة النقدية، ووقودًا لحروبٍ ناعمة لا تنتهي.//