الكرم الخفي للروائي سي. إس. لويس..

عباس موسى الكعبي
2025 / 12 / 11

ألف الكاتب "سي. إس. لويس: من الكتب ما يكفي لجعله ثريا للغاية. فمن "سجلات نارنيا" إلى "المسيحية المجردة" إلى "رسائل سكروتيب"، كان من المفترض أن تجعله مبيعات كتبه مليونيراً مرات عديدة. تدفقت عليه العائدات، وازدادت شهرته. ومع ذلك، عاش لويس حياة هادئة كأستاذ جامعي في أكسفورد، غير مهتم بتراكم الثروة. يعرف معظم الناس كتبه، لكن قليلين يعرفون ما فعله بالمال. فقد تبرع بمعظمها، في الخفاء، وبهدوء وسرية تامة، دون ان يعرف اقرب اصدقاءه بذلك.
في عام 1941، مع ازدياد شهرته بشكل كبير، أنشأ صندوقاً خيرياً أطلق عليه اسم "صندوق أغابي"، نسبةً إلى الكلمة اليونانية التي تعني الحب غير الأناني. أدار الصندوق هو وشقيقه "وارني" من خلال دفتر حسابات بسيط. كان يقسم العائد، بحيث يحتفظ لويس بجزء صغير منه لتلبية احتياجاته الأساسية، بينما يذهب الباقي مباشرةً إلى صندوقه الخيري.
كان يرسل المال إلى الأرامل والأيتام والطلاب المحتاجين، وإلى من راسلوه يائسين، وإلى عدد كبير من الأشخاص، بحيث وصل الامر الى انه إذا تلقيتَ ظرفًا مجهولًا يحوي نقودًا في إنجلترا زمن الحرب، فثمة احتمال كبير أن يكون مرسلا من الكاتب لويس.
كان لويس حريصًا تمامًا على إبقاء هذا الأمر سرًا، حتى أن أقرب أصدقائه لم يعرفوا حجم عطائه إلا بعد وفاته (علما ان اقرب اصدقاءه كان الكاتب الكبير تولكين صاحب سلسلة "سيد الخواتم"). رفض الحصول على إعفاءات ضريبية لأعماله الخيرية. وأصرّ على عدم الكشف عن هويته لأنه كان يؤمن بأن العمل الخيري الحقيقي يجب ألا يشوبه التباهي أو حب الظهور. قال ذات مرة لصديق: "أنا مصمم على ألا تُفسد أخلاقي الشخصية المال الذي أُؤتمنتُ عليه". بعبارة أخرى، لم يثق بنفسه في مواجهة إغراء الثروة، فيتبرع بها قبل أن تستقر في جيبه. كان هناك سبب آخر لعدم ثرائه، فقد عاش في ظل معدل ضرائب مرتفع في زمن الحرب وصل إلى تسعين بالمئة لأصحاب الدخول المرتفعة. اشتكى معظم المؤلفين الأكثر مبيعًا، لكن لويس لم يفعل. لقد كسب رزقه ببساطة، وأنفق بسخاء، واستمر في حياته البسيطة بين التدريس والكتابة والتجول في أزقة أكسفورد.
عندما توفي عام 1963، لم يترك وراءه ثروة طائلة، ولا عقارات فخمة، ولا إمبراطورية استثمارية. ألف كتبًا باتت من روائع الأدب العالمي، ومع ذلك، كان رصيده المصرفي يحمل بصمات رجلٍ كان يؤمن بأن المال وسيلة لا ثروة تكدس.
يحتفي العالم بلويس لخياله الخصب، لكن كرمه هو التحفة الفنية الهادئة التي تقف وراء روائعه.
في عصرٍ مهووسٍ بحب الظهور، مارس لويس نوعًا من الإحسان الخفي. وفي زمنٍ يتسابق فيه الجميع على الشهرة والمال، عاش وكأن ثروته الوحيدة هي الخير الذي يستطيع تقديمه إلى الآخرين. وفي زمنٍ كان فيه العديد من الكُتّاب يبنون إمبراطورياتهم الشخصية، كان لويس يتبرع بثروته في سبيل الانسانية.
معظم القراء يعرفون رواية عالم نارنيا، لكن قليلين يعرفون أن مؤلفها أنفق عائداته على مساعدة أناسٍ لم يلتقِ بهم قط. ولعلّ هذا الكرم البسيط الخفي هو أجمل فصلٍ كتبه لويس على الإطلاق.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن