حول أزمة الاتحاد العام التونسي للشغل

عزالدين بوغانمي
2025 / 12 / 10

ثلاثة ملاحظات حول الوضع الذي آلت إليه الامور في ساحة محمد علي:

الأولى لأعداء الاتحاد:

الاتحاد منظمة كبيرة وقطعة من البلاد ومن التاريخ السياسي لتونس. ولهذا السبب حتى في مناسبات الصدام الثلاثة الكبرى، في الستينات والسبعينات والثمانينات لم تُفكّر السلطة مجرّد التفكير في حلّه، بل نصّبت، في كل مرة، قيادة موالية لها وحافظت على المنظمة. وبورقيبة كان يُدرك أن الفراغ الذي سيتركه الاتحاد أخطر من أي قيادة مناهضة للسلطة، فكان يخشى أن يملأ الفراغ عفريت مجهول الطبيعة تعجز الدولة على مواجهته. بمعنى أن الدولة واعية بأن هذه المنظمة "شادّة عليها باب البلاء".
وعلى هذا الذي يتحدّث عن "حلّ الاتحاد"، سيكون من الأجدر أن يحلّ ما في عقله من أوهام.

الملاحظة الثانية للنقابيين:

هنالك مسار تاريخي صاغ هوية هذه المنطقة القائمة على تداخل الدور الوطني بالدرور الاجتماعي. ونظرا لهذه الطبيعة الخاصة به، كان الاتحاد يمارس السياسة على مستويين متكاملين دون أن يسقط في التّسييس الحزبي:
فهو يمارس السياسة لما يحتج ويضغط ويشن الاضرابات في مواجه السياسات الاقتصادية والاجتماعية المُضرّة بمصالح الشغّيلة.
ويمارس السياسة حين يتصدّى للانقسام الداخلي بأن يلعب دور الحامي وصمّام الأمان والحَكَم الداخلي الذي يُوصد الأبواب أمام "الحكم الخارجي" تُجاه خلافاتنا السياسية وتنازعنا الحزبي وغسيلنا الداخلي. فهو، بهذا المعنى، الجبل الذي نهرب إليه جميعا حين يجيء الطوفان. ولكنه لا ينخرط في الصراع الحزبي ولا ينحاز إلى أي تنظيم سياسي، لأن بنيته الجماهيرية الواسعة، وتنوّع مكوناته الفكرية والسياسية، وضمّه لمختلف امتدادات المجتمع، تمنعه من دخول لعبة الاستقطاب الحزبي. وإذا دخل في مثل هذا المضيق سينفجر من الداخل، ويالتالي يضعف ويُقوّض دوره الوطني والاجتماعي ويفقد مكانته الخاصة.

بهذه المعادلة الدقيقة استطاع الاتحاد عبر تاريخه أن يكون حاضرا في الفعل السياسي حضورًا كاملا، وبعيدا كل البعد عن التجاذبات الحزبيّة التي ليست من طبيعته ولا من وظيفته، إلى أن جاءت هذه القيادة، وأدخلته في مضيق، دون أن تعلم أن المتحكّم في أبواب هذا المضيق هي حركة النهضة، وليست الهيئة الإدارية.

الملاحظة الأخيرة للمعارضة الديمقراطية التي تحاول الاستفادة من المواجهة بين الاتحاد والسلطة:

لا توجد معارضة فتحت مواجهة مع السلطة في بلادها ونجحت إذا كان شعبها يقف ضدّها. واليوم الشعب التونسي حسم في مسألة عودة حركة النهضة للحكم. ولذلك لا يقف ضد المعارضة الديمقراطية لأنه موالي لقيس سعيّد، بل لأن المعارضة الديمقراطية موالية لحركة النهضة.
لذلك المطلوب هو فك الارتباط بوضوح بهذه العصابة التي رفضها شعبكم أولا، حتى تستعيدون ثقته وتنجحون في مواجهة الاستبداد والتفرّد بالسلطة. ولن تنفع مخادعة الناس وسياسة "الغمّة" و"كلّنا ضحايا، وكلنا في مركب واحد": (مناضلين ديمقراطيبن ويساريين تقدميين ومدنيين وأعضاء في الجهاز السرّي). لأن هذه تسمى بالعامية التونسية "ڨعمز في الزِّرزاحة وقول الملايكة دزّتني"، قد ينجح هذا التكتيك مع شعب آخر، مع التوانسة يبدو هنالك صعوبة.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن