|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
محمد سعد خير الله
2025 / 12 / 9
خلال الأسبوعين الماضيين، شاركتُ في العديد من حلقات البودكاست على قنوات يوتيوب تُبث باللغة العربية. دارت النقاشات بشكلٍ شبه حصري حول الصراع العربي الإسرائيلي. هناك، واصلتُ تسليط الضوء على أكثر نقاط هذا الصراع حساسيةً وإثارةً للجدل وهي نفس النقاط التي بدأتُ أبلورها بعد الهجمات الإرهابية التي ارتكبتها حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 ضد المدنيين الإسرائيليين الأبرياء.
أثارت هذه المواقف حملات تشويه وكراهية وتحريض واسعة النطاق ضدي في وسائل الإعلام المصرية والقطرية. لكن هذا لم ولن يؤثر على قناعتي: المهم هو نقل الحقائق بأقصى قدر ممكن من الحياد. لعل نصوصي تُنير القارئ بالأبعاد العميقة لصراع تصل أصداؤه إلينا هنا في السويد، حيث تبدو بعض المدن والمناطق أحيانًا وكأنها جزء من الشرق الأوسط أكثر منها من شمال أوروبا. من أكثر النقاط المحورية التي تثير أشدّ المشاعر مسألة ما يُسمى "الدولة الفلسطينية". إلا أن العودة إلى المصادر التاريخية والوثائق المتاحة تكشف عن حقيقة أبسط بكثير مما يُروّج له في كثير من الأحيان: لم تُوجد أبدًا في أيّ حقبة تاريخية دولة مستقلة وذات سيادة تُدعى فلسطين.
"الاسم وأصله… حيث يبدأ الارتباك"
جاء الفلستينيون (بحرف ال "ت") من جزيرة كريت اليونانية إلى ساحل المنطقة خلال القرن الثاني عشر قبل الميلاد. كانت المنطقة تُسمى آنذاك مملكة يهوذا.
لاحقًا، قاد شمعون بار كوخبا (قُتل في عام ١٣٥ ميلاديًا) الثورة اليهودية ضد الإمبراطورية الرومانية بين عامي ١٣٢ و١٣٦ ميلاديًا. نجح في البداية في إقامة دولة يهودية مستقلة استمرت ثلاث سنوات قبل أن يسحق الرومان الثورة ويقتلوه في مدينة بيتار المحصنة. بعد الثورة، قام الإمبراطور هادريان بحملة عقابية واسعة النطاق ضد اليهود وغيّر اسم مقاطعة يهوذا إلى سوريا فلسطين، في حين تم تغيير اسم القدس إلى إيليا كابيتولينا.
الدولة العثمانية ثم البريطانية… ولا وجود لدولة باسم فلسطين
بعد معركة مرج دابق (1516)، انتصر العثمانيون على المماليك، وخضعت المنطقة للحكم العثماني من عام 1517 إلى عام 1917، أي أربعة قرون كاملة دون وجود أي كيان سياسي مستقل يسمى فلسطين.
ولتأكيد ما أقصده بوضوح: إن المقترحين الرئيسيين لحل الصراع في تقرير لجنة بيل البريطانية عام ١٩٣٧، وخطة التقسيم التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام ١٩٤٧، تحدثا صراحةً عن دولتين، إحداهما يهودية والأخرى عربية، ولم يُذكر أيٌّ منهما "دولة فلسطينية"، لسبب بسيط هو عدم وجودها من الأساس. استمر الانتداب البريطاني ثمانية وعشرين عامًا. بدأ في 25 أبريل/نيسان 1920، عقب قرار الحلفاء في سان ريمو، ودخل حيز التنفيذ رسميًا في 29 سبتمبر/أيلول 1923، وانتهى الانتداب في 14 مايو/أيار 1948 بانسحاب البريطانيين. وطوال هذه الفترة، أدار البريطانيون المنطقة وفق اعتبارات استعمارية بحتة، وليس على أساس أي "دولة فلسطينية" مزعومة.
متى تظهر الدولة المزعومة؟ الجواب بسيط: لم تظهر أبدًا
في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى ما يلي: في سورة المائدة، الآية ٢١، يخاطب النبي موسى عليه السلام بني إسرائيل ويحثهم على دخول الأرض المقدسة التي كتبها الله لهم. وبغض النظر عن تفسير النص لاهوتيًا، فمن الثابت تاريخيًا أن هذه الآية تربط الأرض بالشعب اليهودي ربطًا لا لبس فيه.
إلى كل من يطالب بالدولة الفلسطينية… على أي أساس قانوني أو تاريخي؟
على أي مرجعية تطالب؟ لم توجد في التاريخ حقبة قامت فيها دولة مستقلة باسم فلسطين. فكيف يُطلب إذن دولة كما لو كانت هديةً بمناسبة عيد أو بادرة حسن نية في قمة دولية؟
وإذا نظرنا إلى حكم حماس في غزة، الذي بدأ بعد استيلائها المسلح على فتح في 14 يونيو/حزيران 2007، فأي نوع من "الدولة" نشأ؟ على مدار 18 عامًا، تحولت المنطقة إلى بيئة تزدهر فيها عشرات الجماعات المسلحة، التي يتمثل هدفها المعلن، وفقًا لمواثيقها، ((القضاء على إسرائيل)).
الخاتمة
إن التاريخ لا يمنح الشرعية لأولئك الذين لم تكن لهم دولة خاصة بهم، ولا يمكن لأي ميليشيا ثيوقراطية أن تخلق دولة خاصة بها بمجرد اتخاذ قرار بذلك.
إن الحقائق، لا العواطف، هي التي تُعيد تعريف هذا الصراع، وبدون مواجهة هذه الحقائق، سيظل الجدل دائرة لا نهاية لها.
والسؤال الحاسم إذن هو: هل يجب أن يُبنى المستقبل على الأساطير السياسية أم على الحقيقة التاريخية؟
إنكار الحقائق لا يلغي وجودها، بل يكشف عن عمق الأزمة الفكرية التي يعيشها الخطاب العربي منذ عقود.
تنويه مهم: نُشر هذا المقال في نسخته الأولى باللغة السويدية منذ عدة أيام، وتحديدًا يوم الجمعة الموافق 5 ديسمبر 2025 في صحيفة Bulletin.وبعد نشره، كان ضمن قائمة المقالات الأكثر قراءة.ويُنشر هنا فقط وحصريًا باللغة العربية.
| في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن | حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر |