بريطانيا: ملاذ الإخوان وسط تباين غربي يهدد التحالف الأنجلو-أمريكي

ليث الجادر
2025 / 12 / 3

تتفرّد بريطانيا بتساهلها النسبي مع تنظيم الإخوان المسلمين مقارنة بدول الحلف الغربي الأخرى؛ فهي لم تصنّفه منظمة إرهابية، بل اعتبرته فقط مؤشراً محتملاً على التطرف بعد مراجعة حكومية عام 2015، رغم وجود توصيات بتقييم أكثر تشدداً.
يُنظر إلى بريطانيا منذ عقود كـ"ملاذ آمن" لأنشطة التنظيم، الأمر الذي أثار انتقادات حادة من فرنسا التي ترى فيها "نقطة أمامية" لفروع الإخوان الشرق أوسطية. وتفيد تقارير فرنسية حديثة (2025) بأن نفوذ الإخوان يمتد إلى المدارس، الحكومات المحلية، والمؤسسات الاجتماعية.

هذا التساهل يتجلى أيضاً في تغلغل أيديولوجي داخل الجامعات، الجمعيات الخيرية، والأندية الرياضية، حيث يدير الإخوان شبكات اجتماعية مؤثرة في الجاليات المسلمة، ما يعيق جهود مكافحة التطرف.

موقف الولايات المتحدة: تحول تصعيدي

أمرت إدارة الرئيس ترامب في نوفمبر 2025 بتصنيف فروع الإخوان كمنظمات إرهابية أجنبية، ما يفتح الباب لعقوبات مالية واسعة وتقييد حركة أعضائها، مع التركيز على دعمهم المزعوم لحماس ودورهم في تهديد الاستقرار الإقليمي.

هذا القرار يمثل تحوّلاً جذرياً عن التمييز السابق بين "الإسلام السياسي" والإرهاب، وجاء بدعم من حلفاء واشنطن الخليجيين مثل السعودية والإمارات، ما يثير أسئلة حول إمكانية ممارسة ضغوط أمريكية على بريطانيا لتغيير موقفها.

حتى ديسمبر 2025 ما تزال لندن ترفض الحظر، معتبرة أن المراقبة كافية، وهو ما يعمّق التباين مع واشنطن.

مواقف الاتحاد الأوروبي: تنوّع وقلق متزايد

لا يوجد في الاتحاد الأوروبي تصنيف موحّد للإخوان كتنظيم إرهابي بسبب الاختلافات القانونية. ومع ذلك، اتخذت بعض الدول خطوات واضحة:

النمسا حظرت رموز التنظيم عام 2021.

فرنسا أصدرت تقارير موسعة حول "الدخولية" الإسلامية بوصفها تهديداً للتماسك الاجتماعي والعلمانية.

ألمانيا تفضل المراقبة الاستخباراتية الدقيقة على الحظر، معتبرة أن الإخوان تحدٍّ للديمقراطية العلمانية رغم عدم تورطهم المباشر بالإرهاب على أراضيها.


وتتكرر التحذيرات الأوروبية من تساهل بريطانيا، بينما ترى فرنسا تحديداً أن الإخوان يتمتعون بعلاقات وثيقة مع مؤسسات بريطانية، ما يعيد إلى السطح هواجس تاريخية تعود إلى التنافس الاستعماري القديم.

الأسباب الرئيسية للتفرد البريطاني: تاريخ ومصالح معقّدة

يعود الموقف البريطاني إلى التركيز على عدم وجود أدلة على إرهاب مباشر داخل أراضيها، مع تبني سياسة مراقبة مستمرة دون حظر شامل، رغم ضغوط حلفائها الشرق أوسطيين مثل الإمارات ومصر.

وتكشف مؤشرات تاريخية عن جذور أعمق للعلاقة؛ فبريطانيا دعمت الإخوان سراً منذ عام 1941 كأداة سياسية في مواجهة أنظمة مثل نظام جمال عبد الناصر. وقد أصبحت لاحقاً مقراً دولياً للتنظيم، مع وجود أصول مالية ضخمة في بنوكها، وإمبراطورية عقارية قطرية تُقدّر بمئات الملايين.

كما تتحصّن أموال مرتبطة بحماس جزئياً داخل بريطانيا، إلى جانب اتهامات بتوفير ملاذ لتمويلها، وهو ما يرسّخ فكرة تداخل المصالح المالية والاستراتيجية.

يمتد النفوذ كذلك إلى صناعة خطاب "الإسلام السياسي" في بريطانيا، حيث يُتهم الإخوان بتقديم خطاب معتدل يخفي طبقات أعمق من التطرف.

تداعيات التباين الغربي: هزة أنجلو-أمريكية محتملة؟

التباين بين تشدد واشنطن ومرونة لندن يثير أسئلة حول استقرار الحلف الغربي، خاصة العلاقة الأنجلو-أمريكية التي شهدت أصلاً تنافساً تاريخياً في الشرق الأوسط، حيث استخدمت بريطانيا الإخوان كورقة ضغط ضد النفوذ الأمريكي الصاعد في الخمسينيات.

قد يؤدي هذا التباين إلى تعقيد التعاون في مكافحة الإرهاب، إذ تتهم واشنطن وأطراف أوروبية بريطانيا بأنها توفر ملاذاً لتمويلات مرتبطة بالإخوان وحماس، مما يضعف الضغط على حلفاء الخليج.

وفي أوروبا، ترى فرنسا وألمانيا أن استقلالية بريطانيا بعد البريكست تدفعها إلى تعظيم مصالحها الاقتصادية المرتبطة بالقطريين والإخوان، وذلك على حساب التنسيق الغربي.

حتى الآن لا مؤشرات على "هزة" عميقة، لكن الضغوط الأمريكية والإسرائيلية المتصاعدة قد تفرض مراجعة بريطانية لاحقة، خاصة مع تنامي خطاب متشدد داخلياً ضد الجماعات الإسلامية.

خاتمة

يمثل الموقف البريطاني المتساهل تجاه الإخوان حالة فريدة تقف عند تقاطع التاريخ، المصالح المالية، والاستراتيجية. ويهدد هذا التفرد بتوسيع الفجوة داخل الجبهة الغربية في مواجهة تحديات التطرف والإرهاب خلال عام 2025.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي