|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
عباس موسى الكعبي
2025 / 12 / 1
نجا الروائي كورت فونيغوت ذات مرة من قصف مدينة دريسدن الالمانية بالقنابل الحارقة. كان مختبئًا في مسلخ، وقضى بقية حياته محاولًا شرح معنى أن يعيش المرء في جحيم ويبتسم ويضحك في الوقت ذاته. كان عمره 22 عامًا، جنديًا أمريكيًا أسره الألمان خلال الحرب العالمية الثانية.
في شباط 1945، أسقطت طائرات الحلفاء أكثر من 3900 طن من المتفجرات والمواد الحارقة على دريسدن، وهي مدينة ليس فيها هدف عسكري حقيقي، مليئة بالمدنيين وأسرى الحرب. حُبس فونيغوت وحفنة من أسرى الحرب الآخرين في خزانة لحوم تحت الأرض تحمل اسم (المسلخ الخامس) بعد ان تحولت المدينة بفعل عاصفة الحرائق إلى جحيم.
وحينما خرجوا بعد أيام، كانت المدينة قد اختفت. يقول: "اختفى كل شيء إلا النار ورائحة الجثث. كنا الوحيدين المتبقين لدفن الموتى". كان شابًا، مصدومًا، وفاقدًا للإحساس - ومع ذلك، أصبح هذا الرعب أساسًا لواحدة من أغرب وأطرف وأكثر الروايات تدميرًا على الإطلاق. رواية "المسلخ الخامس" الخفية ليست مجرد حكاية نجاة، بل كيف رفض أن تحوّله المأساة إلى شخص قاسٍ. عاد إلى منزله، وعمل في عدة وظائف، ساعيا إلى فهم عالم يفتقر إلى النظام الأخلاقي.
عندما نُشرت رواية "المسلخ الخامس" عام 1969، أي بعد حوالي 25 عامًا من القصف، كانت رواية صادمة لكل من قرئها. جزءًا منها كان مذكرات حرب، وآخر هجاءً عن السفر عبر الزمن، ومن ثم صرخة ألم وحزن دفين. أصبحت العبارة التي ترددت أصداؤها في الكتاب "هكذا تسير الأمور"، طريقته في مواجهة الموت دون الاستسلام له. ففي كل مرة يموت فيها شخص ما، يهز الراوي كتفيه ويقول: هكذا تسير الأمور. لم يكن الأمر برودة دم، بل تحديًا. بيد ان تمرد الكاتب لم يكن أدبيًا فحسب، وانما بات أحد أعلى الأصوات الأخلاقية في أمريكا ضد الحرب، والجشع، وما أسماه "قدرتنا المفجعة على الغباء".
بدا كأستاذ جامعي بشعر أشعث وعينين حزينتين، لكن حسه الفكاهي كان قاتلًا. وصرخ ذات مرة: "أقول لكم، نحن هنا على الأرض لنعبث، فليس للحياة معنى. لا تدع أحدًا يخبرك بخلاف ذلك". المفارقة هي أن الشهرة لم تُسعده أبدًا، وتحدث عن ذلك: "يعتقد الناس أنني مسل وفكه، لكنني في الحقيقة انسان ناقم". خلف هذه الطرافة، كان هناك رجل مسكون بما شاهده واختبره. يخبرنا: "كونوا لطفاء. لا توجد حكاية أفضل من ذلك". في سنواته الأخيرة، كان لا يزال غاضبًا، لا يزال مرحًا، لا يزال يصرخ بوجه ذات العبث الذي شهده في شبابه في ذلك المخبأ. وفي إحدى مقابلاته تحدث: "لقد ذهبتُ إلى الجحيم. عير ان الأمر الأكثر لفتًا للانتباه هناك، هو انني وجدت ذات الشعور المعتاد".
عمل على تحويل الرعب إلى فكاهة، والفوضى إلى شفقة، والموت إلى مزحة مؤلمة. خرج من أنقاض دريسدن حاملاً حقيقة واحدة لا تزال تبدو مشعة حتى اليوم: إذا لم تستطع أن تسخر من الجنون، فلن تنجو منه أبدًا.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |