|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عزالدين بوغانمي
2025 / 11 / 29
في عالم تحكمه القوة والغطرسة، حيث يدير القوي علاقته بالضعيف باستخدام وسائل الموت التدمير. وحيث لا مكان للقانون ولا للعدالة الدولية، يصبح الخيط الفاصل بين "الدفاع عن السيادة" و"التصادم مع الخارج" رفيع جدًا، وهذا يحتاج مسؤولين لهم عقول، يعتمدون دبلوماسية استباقية تُمكن الدولة من أن تكون سيدة ومستقلة دون أن تكون مُستفزّة حدود إعطاء الفرصة للطامعين في مقدراتها والمتربّصين باستقرارها.
العالم يمرّ بمرحلة تحوّل عسيرة، وهنالك قوى تستثمر في الحروب، لتعزيز مكانتها الاقتصادية، أو للتهرّب من استحقاقات معيّنة، أو لظروفها الداخلية الخاصة. ما يجعل الأولوية للتفاوض دون لغة المواجهة، والتركيز على المصالح المشتركة. وبخصوص التوتر مع بعض الدول الأوروبية، المطلوب من الدولة اليوم ضمن ظروفها وإمكاتياتها تطوير أدوات التفاعل مع الاتحاد الأوروبي ودول الحلف الأطلسي، واختيار ديبلوماسيين أكفّاء يعرفون كيف يُقنعون العالم بوجهة نظر الدولة، والخروج من الخطاب الهجومي والعنتريات، لأن السير في هذا الطريق له تكاليف لا يمكن التكهّن بها.
وإذا كانت الدبلوماسية تتيح تداول أسباب الخلافات والتناقضات بين الدول بطرق عقلانية وسلمية، فإن هذا بالضبط ما نشهد غيابه في تونس. وكأن حالة التمزق التي تشهدها البلاد في الداخل تدفع بديناميات المواجهة حتى مع الخارج.
العقلانية السياسية هي جوهر العمل الدبلوماسي، وغيابها يؤدي إلى استعراض أصحاب الأصوات العالية عُدّتهم الإيديولوجية، من دون النظر إلى مخاطر هذه المنهجية ونتائجها على مصالح البلاد. ولعل دروس التاريخ مملوءة بالكوارث التي جلبها الصُّراخ الفارغ من خسائر وهدر للموارد المادية والبشرية، التي كان يمكن أن تسهم في بناء مستقبل آمن للأجيال القادمة.
أمثلة كثيرة على الأنظمة المُصاب حُكّامُها بالغرور وداء العظمة، أدت لانهيارات كارثية بسبب سوء تقدير مستويات الخطر وغموض النتائج المتوقعة عن تداعي الأمور. ويمكن القول أن كثيرا من الأزمات ناجمة عن هذه الظواهر التي تزداد اتساعا كلّما توسّع الاستبداد والحكم الفردي في دول الجنوب، بالتوازي مع تلاشي القيم الديمقراطية والحقوقية في الغرب،
تونس اليوم تحتاج سياسة خارجية تُبدع أدواتِ تأثير ناعمة، تستخدمها بوعي هادئ بعيدًا عن الصّخب والشعارات. وأول خطوة لتفادي مصاعب الخارج، هي ترميم الداخل. ثم توظيفِ أدواتٍ دبلوماسية متخصصةٍ تتناسبُ مع تحولاتِ العالم. وكذلك الاستثمار في موقع تونس ومناخها وتضاريسها الفريدة، وفي تاريخها الثقافي المتميّز. ولِمَ لا تحويل البلد إلى منصة "وساطة سلام" في حل النزاعات والجمع بين المتخاصمين، والبدء بتسوية النزاع المغربي الجزائري، ونزع الفتائل بين الأشقاء الليبيين. والامتناع الصّارم على الانجرار إلى الاصطفاف داخل محاور أكبر من إمكانيات البلد. والتشبث بالشرعية الدولية (على عٍلّاتِها). والإدارةٍ الدقيقة لأدوات تأثير ذكية، تمنح تونس مصداقيتها ومكانتها واحترامها، وتجعل علاقاتها متوازنة بين القوى الكبرى، بما يخدم استراتيجية تعدد الشركاء بدل الارتهان لجهة بعينها، وانتهاج سياسة الاسراع في تبديد أي توتر مع أي دولة في العالم بالطرق السلمية.
بالتوازي مع ذلك، من المهم التشديد على تجنّب توجيه خطاب "السيادة" إلى الداخل بمنطق التعبئة، والحرص، بدل من ذلك، على مخاطبة العالم بلغة دبلوماسية هادئة تُفهم كرغبة تونسية في علاقات تقوم على الاحترام والندية والمصالح المشتركة. وإذا كان لابد من توجيه خطاب السيادة إلى الداخل، فيجب أن يكون بمنطق التعاون على بناء القوة، وليس لِبعثرة القوة واستقواء الدولة على ضلوعها. فالسيادة بالأخير هي بناء متراكم في الاقتصاد والأمن والقانون والتعليم والتماسك الداخلي.
إن الدولة التي تقيس إمكانياتها بدقة، تتجنب الاستفزاز والتصعيد، وتبحث عن التهدئة، وتلعب دور "الشريك العقلاني". لا تستسلم نعم، ولكن لا تصطدم أيضا. وتوازن علاقاتها بين الشرق والغرب. وتنوع الشركاء على قاعدة تقديم "مكاسب" للطرف الآخر دون الخضوع له.
وتونس ليست مطالبة، لكي تُثبت تمسكها بسيادتها، أن تتصرّف مثلما تتصرف دول أخرى عندها قوة ذاتية ضخمة، واكتفاء ذاتي، ووحدة داخلية صلبة، وقدرة على تحمّل العقوبات، لأن كل دولة وظروفها وإمكاناتها وموقعها في خارطة التأثير. ومن هذا المنطلق، تصبح الدبلوماسية الاستباقية هي الخيار الأمثل لتونس تجاه الاتحاد الأوروبي.
لماذا؟
ببساطة لأن أوروبا هي الشريك الاقتصادي الأول. بحيث 80% من صادرات تونس متجهة نحو أوروبا. ونصف الاستثمارات الأجنبية أوروبية. السياحة، التحويلات، سلاسل التوريد… كلها مرتبطة بالسوق الأوروبية. وبالتالي فالمواجهة المفتوحة معها ليست خيارًا عقلانيًا.
من جهة أخرى أمريكا لاعب مؤثر ودولة عظمى، والدخول في صدام معها له كلفة ثقيلة. خصوصا ونحن بلا تحالفات بديلة جاهزة. علما وأن الصين وروسيا لا تقدّمان دعمًا مجانيًا، ولا تُعوّضان بسهولة العلاقة مع الغرب.
صحيح أنّنا خرجنا من مأزق حكم "جماعة" سعت إلى جعل الدولة التونسية دولة وظيفية تعيش في ظلّ فراغات السياسة والجغرافيا، ك"أداة تشغيل"، وككيان يبدو من الخارج دولة كاملة، وفي العمق مجرد مساحة مُدارة لتنفيذ غايات ليست غاياته، وصراعات لا تخصّه، ومشاريع لا تمتّ لمصالح شعبه بصلة. فراشد الغنوشي أرادها دولة معطوبة يحكمها هو، ويستمد شرعيته و"شرعيتها" الفعلية من الخارج، بالدعم التركي، والتمويل والحماية الأمنية والغطاء السياسي، مقابل أن يكون قرارها موزّع: جزء لجماعته التي لا تؤمن بالوطن أصلا، والجزء الأثقل للخارج الذي يمسك مفاتيح الدعم والبقاء. يعني أراد السيادة شكلية، والقرار الحقيقي خارج الحدود بيد المحور الذي يعتقد أنه رأس "الأمة" وقيادتها.
وصحيح أن ذلك الرجل الخطير أراد اقتصاد تونس اقتصادا مافيوزيا، يدور داخل شبكة ارتباط خارجي، استثمارات مشروطة، عمليات سرية، تبييض أموال، وتحويلات تستهدف تغذية "الوظيفة" لا بناء قوة وطنية. أراده اقتصاد هش تابع، ومتغير بتغير المزاج الدولي.
وصحيح أنه حَشَرَ تونس في خندق مأساويّ يقضي بأن تلعب دولتها أدوارا أكبر من حجمها وضد استقرار إقليمها الجغرافي لخدمة مشروع أكبر منها، من إشعال الفِتن، إلى احتضان ودعم جماعات مسلحة، بتغذية خطوط تمويل مشبوهة، وتوفير منصّة لعمليات عسكرية واستخباراتية ودبلوماسية بالوكالة...
وكل هذه المغامرات الوظيفية من أجل مكاسب حزبية ضيقة على حساب بلاده، وتعريضها لصراعات الوكالة كلما اختلفت القوى الراعية. غير أن مكاسب راشد الغنوشي وجماعته، كما تبيّن لاحقًا، كانت وقتية، و"شرعيتة" كانت مُفتعلة وهشة وقابلة للسّحب عند أول تغيّر في الحسابات الإقليمية والدّولية. وتبيّن أن مكاسبه كانت خسائر عميقة وواسعة لتونس، وأولها تآكل السيادة، وضعف الاقتصاد، وتصدع العقد الاجتماعي.
وكما هو معروف، من السِّمات المُميّزة للحركات والأحزاب الوظيفية أنها لا تسقط دفعة واحدة. بل تتآكل على مراحل، وتهتز شرعيتها على المدى البعيد. ويضعف قرارها في نهاية المطاف. وتتحول في نظر شعبها قوة سياسية إلى "جسم غريب يعمل داخل الوطن". وحين تنكسر المظلة الدولية التي تحميها، تسقط، وتضمحل كلّ النخب التي بنت قوتها على الخارج… لأن الخارج يبحث فورا عن بديل يؤدي الدور ذاته بوجه جديد. وهكذا، ولهذا السبب سقط الغنوشي ومن حوله سقطتهم الأخيرة.
سقط ولن ينهض مُجدّدًا لأن الأزمة ليست فقط في الدور المشبوه الذي قام به، بل في الطبيعة السياسية والبنية العقائدية لجماعته. فهي جماعة تستخدم لأنها ضعيفة بذاتها، وتضعف لأنها تُستخدم من قوى خارجية مؤثرة على قاعدة: تعمل كثيرا، تكسب قليلا، وتخسر دائما. وحين تنتهي صلاحيتها، تُرمى كما تُرمى أي أداة انتهى دورها. ويبقى المجتمع يدفع الثمن.
في لحظة الحقيقة، لم يبق أمام الشعب إلا التفريق بين سلطة تقود دولة لخدمته، وسلطة تقود دولة لاستغلاله.
وبناءً على ما تقدّم، علينا أن نتجاوز تجربة الغنوشي، ونكفّ على اجترار الماضي. وعلى رئيس الجمهورية أن يُعيد النظر في فهمه للسّيادة، وللدولة الوطنية باعتبارها مشروع حضاري، يَزرع القوة، ويستثمر في الاستقرار. ويولد من داخل المجتمع لا فوقه ولا على حساب جزء منه. ومقصدي من هذا هو أن الدولة الوطنية مشروع سياسي-اجتماعي، يتجذّر في مناخ الحرية، ولا يكبر إلا بالتفاهم والتعاون والتداول السلمي على السلطة. وبهذا المعنى تستمد الدولة الوطنية سيادتها من شعبها ومن العقد الاجتماعي، ومن قدرتها على تمثيل مصالح المجتمع تمثيلا دستوريا حقيقيا، وتحمي نفسها بالرضا العام.
لماذا تحمي نفسها بالرّضا العام؟
حتى تجعل مركز القرار في الداخل، حيث المؤسسات ومصالح المجتمع صاحبة القول الفصل.
وحتى تنجح في بناء اقتصاد منتج، متين، يرفع المجتمع ويؤسس لاستقلال حقيقي.
وحتى تكون دولة محترمة وعقلانية، تتحرك ضمن وزنها الطبيعي ومصالحها الحقيقية وعلاقتها بمحيطها.
وهذا هو المضمون السياسي للسيادة. وما دون ذلك رهان خاسر لن يُخلّف وراءه إلا فراغا وأطلالا، و"ضَلالًا بعيدا".
.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |