٨. معارك السياسات الملموسة: اختبار الصراع الطبقي في الميدان

عماد حسب الرسول الطيب
2025 / 11 / 28

يتحوّل مجلس المدينة ومكاتب البلدية في نيويورك إلى ميدان تُختبر فيه قدرة المشروع التقدمي على تحويل الشعارات إلى وقائع، لأن كل ملف من ملفات الحكم المحلي يكشف حدود القوة الفعلية للعمدة التقدمي حين يصطدم بجهاز دولة متجذّر في خدمة تراكم رأس المال. ويتحدد مسار المعركة دائمًا عبر الثنائية ذاتها: منطق الربح مقابل منطق الحياة.

يتحكم ملف الأمن في رسم تعريف المدينة للعنف الشرعي، إذ يتأسس جهاز الشرطة تاريخيًا كذراع لحماية الملكية الخاصة لا لحماية السكان، فيظهر تركّزه المكثف في الأحياء الشعبية بالتزامن مع مشاريع التطوير العقاري التي تحتاج حضورًا أمنيًا يُعيد تشكيل الفضاء لصالح رأس المال (غرامشي، دفاتر السجن). ويواجه نموذج الأمن المجتمعي الذي تدفع به الحركات التقدمية مقاومة شرسة من نقابة الشرطة وتحالفاتها مع القوى المحافظة، لأن أي إعادة توجيه للموارد نحو الخدمات الاجتماعية تهدد البنية الطبقية التي صنعت جهاز الشرطة.

يتحكم ملف الإسكان في إعادة إنتاج المدينة نفسها، لأن السياسات العقارية تُصاغ وفق معادلات ربحية تضبطها أسواق التمويل والمطورون، فتتحول الأحياء إلى محافظ استثمارية تُدار بعقلية تراكمية (هارفي، أزمة المدينة). ويواجه المشروع التقدمي آليات الطرد وإعادة الهيكلة عبر سياسات جذرية مثل تأميم الأراضي الفارغة وفرض سقوف إيجارات قابلة للإنفاذ وتوسيع التعاونيات السكنية، لكن التحالف العقاري يردّ بحرب قانونية ومالية تعيق أي تقويض لمنطق المضاربة.

يتحكم ملف المواصلات في توزيع الزمن والمكان على طبقات المدينة، لأن خيارات النقل تحدد قدرة العمال على الوصول إلى العمل وتحدد كلفة التنقل التي تتحول إلى اقتطاع من أجورهم. وتعمل الخصخصة على تحويل النقل إلى أصل ربحي، فتُرفع الأسعار ويُعاد هيكلة الخدمات لخدمة المستثمرين على حساب المستخدمين. ويواجه هذا الاتجاه بديل تقدمي يقوم على نقل عام شامل ومجاني أو مدعوم، لكنه يصطدم بالبنية شبه المستقلة لهيئة النقل (MTA) التي تمنح رأس المال قدرة على تعطيل أي إصلاح جذري.

يتحكم ملف الضرائب في قدرة المدينة على تمويل مشروعها السياسي، لأن النظام الضريبي القائم يُحمّل الطبقات العاملة عبئًا disproportionate بينما يمنح الشركات الكبرى والأثرياء إعفاءات واسعة (ماركس، رأس المال). ويقتضي بناء نظام ضريبي عادل فرض ضريبة أصول على العقارات الفاخرة والأراضي الفارغة، مع تطوير آليات تمويل محلية بديلة، لكن أجهزة الدولة على مستوى المدينة والولاية تتدخل لحماية حركة رأس المال وتحصين امتيازاته.

يتقاطع كل ملف من هذه الملفات مع مقاومة شرسة من أجهزة الدولة العميقة، التي تعمل عبر البيروقراطية الدائمة والهيئات شبه المستقلة وشبكات التمويل على احتواء أي إصلاح يهدد منطق الربح (لينين، الدولة والثورة). وتظهر هذه المقاومة عبر التأخير المتعمد للقرارات، التلاعب بالتفسيرات القانونية، التسريبات الإعلامية، والتحالفات غير المعلنة مع المؤسسات المالية والعقارية.

يتطلب اختراق هذا الجدار التخطيط لعمليات مؤسسية متزامنة لا متفرقة، تبني تحالفات ولائية وفيدرالية تكسر العزلة المفروضة على المدينة، إنشاء صناديق تمويل شعبية لدعم مشاريع الإسكان والنقل، وبناء فرق قانونية قادرة على شن دعاوى جماعية تُعطل منطق الطرد العقاري. وتتقدم هذه الأدوات حين تُرافقها قوة ميدانية منظمة تستنزف الجهاز البيروقراطي وتفرض عليه التفاوض من موقع ضعف.

يتحدد المدى القريب عبر انتصارات تكتيكية قابلة للقياس: تعطيل مشاريع طرد واسعة، تحويل مجمعات سكنية إلى تعاونيات، وانتزاع إصلاحات في النقل تقلل كلفة التنقل على العمال. ويحتاج تحقيق ذلك إلى تأسيس بنية تنظيمية محلية قادرة على إدارة الملفات بشكل يومي: مكاتب تنظيمية داخل الأحياء، خبراء ملتزمون بالمشروع، وخلية إعلامية تفضح الاحتواء المؤسساتي. وتعمل هذه البنية في زمنين متوازيين: زمن الضغط المكثف وزمن بناء بدائل مستقرة.

يتضح في النهاية أن معارك السياسات الملموسة هي الاختبار الحقيقي لقدرة المشروع التقدمي على إحداث تحول جذري. فإذا تمكن من تحويل الأمن إلى حماية شعبية، والإسكان إلى حق اجتماعي، والمواصلات إلى خدمة عمومية، والضرائب إلى آلية لإعادة توزيع الثروة، يصبح المشروع أقرب إلى فتح ثغرات في جسد الدولة الطبقية تمهّد لتحولات أعمق.

"لا تُبنى المدن بالخطابات، بل تُفكَّك آلياتها بالعمل المنظَّم."
ديفيد هارفي.

النضال مستمر،،

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي