السيادة الوطنية

عزالدين بوغانمي
2025 / 11 / 26

السيادة الوطنية تشمل السياسة والاقتصاد والاجتماع والتعليم والصحة والدفاع. وهي روح الدولة الوطنية المستقلة وشرط تحققها.

غير أن السيادة في العصر الحديث ارتبطت بالممارسة الشعبية للديمقراطية، وقدرة الدولة على بسط نفوذها على مجالها الجغرافي، وبناء علاقاتها الخارجية على أساس استقلال قرارها، فضلا عن عدم ارتهانها لأي سلطةٍ خارجية، عدا سلطة القانون الدولي.

صحيح أن مبدأ السيادة دائم ومستمر نظريا، إلا أن صورتها وحقيقتها والمسئوليات التي تنهض بها تتغير مع الزمن أو يعاد توزيعها. ولا تعني التطورات الحادثة الآن نهاية مفهوم السيادة، ولكن تعني أن مفهومها متغير. فمثلا كانت السيادة، في العصور الوسطى، ملكا للأباطرة والملوك، ثم انتزعها الثوار ومنحوها للشعوب.
أما التطورات العالمية الحالية فقد أدت إلى تدويل السيادة وتوسيع نطاقها، بحيث لم تعد خاصة بالشعب والدولة وحدها ولكن أصبح يشارك فيها المجتمع الدولي ممثلا في القوى المتحكمة به. وبهذا المعنى، فإن ما يُشار إليه في الفقه القانوني عادة بمبدأ "المساواة في السيادة" أو مبدأ "المساواة بين الدول المستقلة ذوات السيادة"، فإنما هو مبدأ نظري ويكاد يكون العمل به مُنعمًا. وسبب ذلك أن السيادة ترتبط ارتباطا وثيقا من حيث طبيعتها بقدرات الدولة وإمكاناتها الذاتية، أي أن [القوة] هي شرط من شروط السيادة والحفاظ عليها، بكل بساطة لأن هذا العالم الذي نعيش فيه يفتقد إلى العدالة الدولية على كافة الأصعدة.

ومن هذا المنطلق، فالدولة التي لا تملك مقوّمات السيادة، لا يمكنها أن تكون سيدة على قرارها. ومن مؤشرات السيادة: السيطرة الكاملة على الثروات الوطنية تحت الارض وفوق الارض. اقتصاد قادر على الصمود، من ذلك القدرة على إنتاج الجزء الأهم من الغذاء والدواء والطاقة، تملّك قطاع صناعي/خدمي يوفّر العملة الصعبة، تنويع الشركاء وعدم الارتهان لقوة واحدة، التمتع باحتياطي نقدي محترم، تحالفات استراتيجية قائمة على المصالح المشتركة. جيش عصري محترف قادر على الردع. أجهزة أمنية موحدة غير مخترقة تشتغل ضمن القانون. قضاء مستقل قادر على فرض العدالة. نخب وطنية مسؤولة، تختلف في التفاصيل لكنها مُجمعة على المصالح العليا للدولة، الأمن، الاقتصاد، العلاقات الدولية، كيفية التصرف في الثروات... مواطنة مزدهرة وفرد محترم في كيانه، وحرياته محمية. شرعية داخلية مستقرة مجسّدة في احترام السلطة للقانون. حدّ معقول من التوافق الداخلي والدعم الشعبي. القدرة على التحكم في المعلومة، أمن سيبراني محترم، إعلام وطني قادر على مخاطبة الداخل والخارج. مؤسسات بحث واستشراف.
دون هذه المقوّمات يُصبح إدمان السلطة على رفع شعار السيادة الوطنية مجرد تصعيد نفسيّ وتعبير عن الشعور بفقدانها وليس العكس.

أما عامّة الناس فمن حقهم التمتّع بالأوهام لضمان سلامتهم من القلق وإرهاق التفكير. وليس غريبا نزوعهم للافتخار واجترار الدّجل واستحضار الأمجاد، هروبا من ألم الوعي بالحقيقة، وارتماءً في أحضان الوهم الجميل الذي يُعمق المسافة بينهم وبين الحقائق، فذلك أسهل بكثير من مغامرة وضع الواقع تحت مشرط النقد، لتشريحه ومقاربته بعدسات مجهرية تبرز الجراثيم والفيروسات التي سممت حياتهم، وخنادق الخراب التي أحاطت ببلادهم.
ولعل جزء كبير مما آكتُشِف بعد الثورة من ضعف ومعاناة وهشاشة مُعمّمة، هو من ثمار بذور الماضي التي حُجبت بالتّضليل وطوفان أناشيد الإنجازات والتقدم، والخطاب الدّعائي، وقصائد المديح، حيث كانت تسود مفردات التّمجيد، ليتوارى خلفها الواقع البائس بكلّ أوزاره.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن