التهافت ضد الموسيقى

فاتن نور
2025 / 11 / 25

يتشدّق مسلمو اليوم بالحضارة الإسلامية متناسين أنّ مجدها لم يكن ممكنًا من دون حضور الموسيقى بوصفها جزءًا عضويًا من نشوء أي حضارة تحترم الإنسان. فالعصر الإسلامي الذي يفاخرون به، من بغداد إلى قرطبة، قام على علوم العقل والجمال وتعدديّة الفنون، وكانت الموسيقى في مركزه علمًا وفنًا وسلوكًا روحيًا يرتقي بالمجتمع.
التحامل على الموسيقى اليوم ينسف نصف ما يعدّونه “مجدًا إسلاميًا”، ويكشف جهلًا بالأساس الجمالي والمعرفي لذلك التراث. فقد قدّم أسلافهم للموسيقى ما يعادل علوم الصوت الحديثة: تحليل البُنى الصوتيّة، وتنظيم الإيقاعات، وتصنيف المقامات على أساس عددي، ولهذا عُدّت الموسيقى فرعًا من الرياضيات إلى جانب الحساب والهندسة والفلك، واحتضنها بيت الحكمة بوصفها علمًا لا لهوًا.
أمّا التحريم الأعمى الذي نشهده اليوم فهو مفارقة تاريخية وقطيعة مع ذلك التراث، ويقع خارج أي إطار حضاري أو ثقافي سليم، ويعكس في ذات الوقت سايكولوجيا دينية غير سويّة يُراد ترسيخها لتجفيف الوجدان الجمعي. فاختلاف الفقهاء قديمًا لم يجعل الموسيقى معيارًا للإيمان أو الكفر، ولم تتحوّل إلى سلاح سياسي للهيمنة كما هي الآن. والعراق مثال صارخ: ابتذال فني في العاصمة يقابله رفض للموسيقى في مدن صنعت تراثًا غنائيًا ثريًا. والمؤسف أنّ أغلب رجال الدين لا يفرّقون بين السياقات الفاسدة التي تُستهلك فيها الموسيقى وبين الموسيقى نفسها كجوهر فني عظيم بقيمته الجمالية والحضارية.
علماء العصر الذهبي… الفارابي والكندي وابن سينا وزرياب… كانوا موسيقيين أو منظّرين لها، وكتبهم تُدرَّس اليوم في الغرب بينما تُهاجَم في بلادهم بسرديات اجتهادية لا تستند إلى علم ولا دين. قصور بغداد ودمشق وقرطبة كانت مراكز موسيقية، والصوفية جعلت الموسيقى طريقًا للصفاء الروحي كما عند الرومي وابن عربي.
والسؤال: هل هذا العداء للموسيقى خروج عن نهج السلطة الدينية أم جزء منه؟ الإسلام لا يملك نصًا قاطعًا في التحريم، والتحريم محض اجتهاد لا يجب فرضه على المجتمع.
الخوف من الموسيقى سببه سلطتها الروحية العميقة؛ فهي تفتح القلب والخيال والعقل على عوالم أرحب، وهذا ما تخشاه النظم الدوغمائية التي تعيش على تجميد العاطفة وتجفيف الوجدان. ومن يجهل دور الموسيقى في بناء الحضارات، من سومر إلى أثينا إلى بغداد، لا يرى فيها سوى تهديد بدل أن يدرك أنّها ثروة إنسانية أصيلة لها ثقلها الحضاري الممتد في عمق التاريخ الإنساني.


November 25, 2025

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن