حكاية الجارية.. صرخة في وجه الاستبداد الثيوقراطي..

عباس موسى الكعبي
2025 / 11 / 25

تصدر الحكومة تشريعات تُقيّد حقوق الإنجاب، وتحظر الكتب من المكتبات، وتُراقب دورات النساء الشهرية عبر التطبيقات، وتُقترح قوانين لتتبع حالات الحمل ومعاقبة حالات الإجهاض. ويناقش السياسيون علانيةً العودة إلى "القيم التقليدية" حيث يتمحور دور المرأة الأساسي حول الإنجاب، وتكتسب المنظمات الدينية سيطرةً متزايدة على الرعاية الصحية والتعليم، وتُتيح تكنولوجيا المراقبة التجسس على الأجساد بطرق لم تكن الأجيال السابقة لتتخيلها. يرصد المراقبون هذه التطورات بقلق متزايد، مُدركين أساليب تبدو مُصممة لتقييد استقلالية المرأة بشكل منهجي، بدعوى ان تلك الاجراءات تهدف لحماية الأسرة والأطفال، بل والمجتمع ذاته. يُشدد هذا الخطاب على المصير البيولوجي، ويُصوّر الخصوبة كمورد وطني، ويُعامل أجساد النساء كأرضٍ مُتنازع عليها، حيث للدولة مصلحة مشروعة في التحكم في مردودها ونتائجها. وثّقت الكاتبة مارغريت آتوود في روايتها "حكاية الجارية"، الصادرة عام ١٩٨٥، هذا المسار بدقة عبر جمهورية جلعاد، وهي ديكتاتورية ثيوقراطية تستعبد النساء وتعاملهن بمثابة أغنام لغرض التكاثر، مدعيةً استعادة النظام الأخلاقي المفقود. وتتقلص الفجوة بين خيال الكاتبة والواقع الحالي مع كل دورة إخبارية تُثبت أن الديستوبيا التي تخيلتها لم تكن تنبؤًا، بل إدراكًا للأنماط، مُظهرةً ما يحدث عندما يلتقي ذعر الخصوبة بالأصولية الدينية والحكومة الاستبدادية التي تُعامل النساء كموارد لا كبشر.
تقدم الكاتبة إلى القراء شخصية البطلة "أوفريد"، الجارية التي هدفها الوحيد في جمهورية جلعاد هو إنجاب أطفال لصالح الطبقة الحاكمة من خلال طقوس اغتصاب شهرية تُبررها سوابق توراتية تاريخية. فيتم تجريدها من كل شيء يتعلق بهويتها، إذ يستبدل اسمها باسم مالكها، وتختزل ملابسها بزي أحمر يُميز وظيفتها، وتراقب تحركاتها باستمرار من قِبل زوجات مستاءات منها، وعمات اخريات يجبرنها على الامتثال إلى القواعد الصارمة بالعنف والتلقين.
تُبني الكاتبة روايتها عبر ذكريات البطلة عن الأزمنة السابقة حينما كانت لديها وظيفة وابنة وزوج، ثم تدمج تلك الذكريات بواقعها الحالي المتمثل في انتظار الطقوس الشهرية ومحاولة البقاء على قيد الحياة في نظامٍ مُصمم لمحو شخصيتها تمامًا. تكمن العبقرية في الطريقة التي تُظهر بها الكاتبة أن جمهورية جلعاد لم تنشأ من خلال ثورة مفاجئة، بل من خلال قيود فرضت بصورة تدريجية عبر تجميد مصادر عيشهنّ، مرورا بإنهاء وظائفهن، ثم تقييد حركاتهن. وكل خطوة كانت تُبرَّر بالتقاليد أو بالطوارئ، حتى بات التحكم الاستبدادي أمرًا طبيعيًا.
العنصر الأكثر إثارةً للقلق في الرواية ليس تطرفها الكابوسي، بل كيف بنت الكاتبة جمهورية جلعاد بالكامل من سوابق تاريخية وممارسات معاصرة، مع التأكيد على أنها لم تخترع شيئًا لم يحدث في تاريخ البشرية القبيح.
يشير نظام الجواري إلى التسري، كما في التوراة، والعمات اللواتي يفرضن الطاعة يُحاكين تعاون النساء مع الأنظمة الأبوية، وعمليات القتل العلنية المعروفة باسم "الخلاص" لها مقاربات تاريخية عديدة، كما أن ذعر الخصوبة الذي حفّز إنشاء جمهورية جلعاد يعكس مخاوف حقيقية بشأن انخفاض معدل المواليد المُستخدم ضد استقلالية المرأة.
كتبت آتوود هذه الرواية خلال فترة الرئيس الأمريكي "ريغان" التي شهدت ردود فعل عنيفة ضد النسوية. هذه الرواية تدفع القارئ نحو الاستدلال بأن حقوق المرأة ليست إنجازات دائمة، بل حريات مؤقتة تتطلب دفاعًا مستمرًا ضد القوى التي تعتبر استقلالية المرأة تهديدًا للنظام الاجتماعي، مُظهرةً مدى سرعة سلب تلك الحقوق عندما تُشكل المرأة أزمة لدعاة الذكورية.
تكشف خاتمة الرواية انهيار هذه المنظومة القيمية، لكن هذه النهاية لا تقدم سوى عزاء بارد عندما توضح الكاتبة أن الظروف التي خلقت جمهورية جلعاد تظل متاحة كلما تقرر المجتمعات الذكورية أن أجساد النساء حينما تصبح مجرد موارد وتسري تكون أكثر أهمية من كونها تنتمي إلى الحضن الإنساني.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن