|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

سوزان ئاميدي
2025 / 11 / 22
قبل يوم شاهدت لقاءً تلفزيونياً مع إحدى الفتيات اللواتي دخلن في علاقات مع رجال يكبرونهن بعشرين أو ثلاثين عاماً. كان السؤال المطروح في اللقاء يدور حول سبب انجذاب بعض الفتيات إلى علاقات مع رجال أعمال كبار.
ومع أن الإجابات التي قُدمت للجمهور بدت سطحية ومباشرة، فإن ما سمعته في الحقيقة كان يكشف شيئاً أعمق بكثير مما قيل.
إحدى الفتيات قالت بصراحة: “نحتاج هاتفاً جديداً أو سيارة أو قطعة مجوهرات… وهم يستطيعون توفيرها.” ولم أجد في كلماتها دلالة على بحث عن الحب أو علاقة إنسانية.
كان ما يظهر أمامي بوضوح هو غياب السعادة الداخلية ومحاولة تعويضها بما يسمى “التمتع” بالأشياء.
المتعة علاج مؤقت لجرح لم يُعالَج. الفتاة التي تبحث عن رجل يكبرها ليست مهتمة بالعمر أو المكانة الاجتماعية، بل تبحث عن شيء افتقدته داخلياً: اهتمام، الشعور بالقيمة، الأمان النفسي، والثقة بالنفس.
وحين يختفي هذا الإحساس، تصبح الأشياء المادية بديلاً سريعاً للشعور المفقود. فتتحول العلاقة إلى صفقة غير متكافئة هي (فراغ نفسي مقابل مال فائض).
والرجال الذين يستغلون هذا الفراغ ليسوا أبرياء أبداً. فمن الضروري قول ما لم يُقَل في اللقاء.
بعض رجال الأعمال يدركون تماماً هشاشة هذه الفتيات ويستغلون ذلك. يعرفون أنها بحاجة إلى قيمة، فيقدمون لها شيئاً من فتات ثروتهم مقابل أن يأخذوا منها سنوات من حياتها وثقتها بنفسها. هذا ليس كرماً ولا رجولة، بل استغلال واضح وشراء رخيص لضعف إنساني، ومن الظلم أن نحمّل الفتيات وحدهن مسؤولية علاقة صمم شروطها رجال يملكون المال والسلطة.
في الواقع، المشكلة أعمق من مجرد السلوك الظاهر. فالجيل الجديد يعيش ضغوطاً نفسية واجتماعية كبيرة تتجلى في عدة جوانب:
1- السوشيال ميديا، التي تصنع مقارنة يومية مؤذية وتزيد الشعور بالنقص والحرمان.
2- المجتمع، الذي يبالغ في ربط قيمة الإنسان بما يملك، فلا تُقاس قيمة الفرد بما هو عليه بل بما يملك أو يقدّم.
3- الأسر، التي غالباً ما تكون مرهقة اقتصادياً وعاطفياً، فتغيب عن توفير الاحتواء والدعم النفسي الكافي.
4- غياب مساحات الاحتواء النفسي، حيث يجد الشباب صعوبة في التعبير عن مشاعرهم أو تلقي الدعم، مما يترك فراغاً كبيراً يدفعهم للبحث عن حلول خارجية مؤقتة.
وعندما تُقاس قيمة الفتاة بهاتفها أو سيارتها، فمن الطبيعي أن تبحث عن الطريق الأسرع، حتى لو كان مؤلماً ومدمّراً.
وفي الحقيقة أرى أن بناء السعادة هو الطريق الأقوى لكسر الظاهرة. فالسعادة ليست حالة عابرة، بل بناء داخلي لا يُشترى، وتتكوّن عبر:
1- التمسك بالقيم الحقيقية
قيمة الإنسان في خلقه ومبادئه، لا في مقتنياته.
2- عمل الخير والعطاء
الخير يعيد للإنسان مكانته وثقته بنفسه.
3- الإنجازات الصغيرة
خطوات بسيطة ترمّم شروخاً كبيرة.
4- العلاقات الصحية
علاقات تحترم الإنسان، لا تستغله.
5- اكتشاف معنى الحياة
من يعرف لماذا يعيش، لا يحتاج للهروب إلى متع زائفة.
وأخيراً وليس آخراً، هذه الظاهرة ليست مجرد “انحلال اجتماعي”، إنها مرآة لغياب السعادة الداخلية لدى الفتيات، ووجود رجال لا يترددون في استغلال هذا الغياب.
ولذلك، يبدأ الإصلاح من: فهم الألم النفسي قبل الحكم، ومن دعم الفتيات نفسياً، ومحاسبة من يستغل ضعفهن، وبناء مجتمع يقدّر الإنسان بما هو عليه… لا بما يقدَّم له أو يُشترى منه .